فهرس الكتاب
فإذا كانت المخلوقات الطينية تؤنس وحشته في الأرض، فإن تلك المخلوقات النورانية تؤنس وحشته في الكون الواسع الذى هو جزء منه، فيصبح أروح نفسًا وأكثر طلاقة مما لو حبس نفسه في دائرة المادة والحس0
ثم إن الملائكة مشغولة ليل نهار بالتسبيح للملك القدوس الواحد القهار: (( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ) (الأنبياء:20) 0
ومن هنا نعرف أن أهم ما يقومون به تسبيح الله وتعظيمه وتنزيهه حيث هيأهم لهذا 0
ألا ما أروعها صورة !
إن الإنسان يحاول أن يسبح لله فترة من النهار أو جانبًا من الليل فيفتر ولا يقوى على المضى في التسبيح، لأن له جسدًا يريد أن يأكل وأن يشرب وأن يرتاح وينام، ولأن له فكرًا لا يكف عن الانشغال بمطالب الحياة الدنيا0
ومن رحمة الله بالإنسان أن لم يكلفه ما كلف الملائكة من التسبيح الدائب ليل نهار! فإن -سبحانه -وقد خلق للإنسان جسدًا يشتهى وعقلًا ينشغل بالتفكير، جعل العبادة المفروضة عليه من نوع آخر غير عبادة الملائكة، فإلى جانب التسبيح والصلاة وشعائر التعبد التى يشترك فيها الإنسان مع الملائكة، فإن الله من رحمته بعباده من بنى الإنسان جعل حركة أجسامهم وعقولهم عبادة إذا توجهوا بها إلى الله، والتزموا في شأنها بما أنزل الله. وهكذا أصبح سعى الإنسان وراء الرزق عبادة، وعمارته للأرض عبادة، وطعامه وشرابه عبادة، وزواجه ونسله عبادة، ونومه وقيامه عبادة، إذا ابتغى في ذلك كله مرضاة الله، وعمل فيها وفق أوامر الله. وكذلك يتم التناسق في خلق الله بين طاقة المخلوق وما كلفه الله من ألوان العبادة 00 وكلهم عباد لله عابدون!
نعم ! ذلك من رحمة الله بالإنسان 0
ولكن الإنسان منع ذلك ما يفتأ يعقد الموازنة بين نفسه وبين الملائكة في قدرتهم على التسبيح لله بالليل والنهار لا يفترون0