فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 433

والتعبير القرآنى يظهر هذه الحقيقة بوضوح (( دعوا الله مخلصين له الدين ) ). ففى تلك اللحظة الحرجة، لحظة الانقطاع من كل أمل في الخلاص أو العون، يكون إحساس الإنسان بالذات الإلهية واضحًا مستقرًا عميقًا في النفس، كأنما كان هناك ستار يغشى هذه الحقيقة في النفس فانجاب الستار وانكشفت الحقيقة. ويكون التوجه إلى الله مخلصًا كذلك. فالخطر الداهم مفزع، والملجأ الوحدي هو الله . عندئذ يتشبث الإنسان بالملجأ، صادق الرغبة في الالتجاء. وحين يدعون الله مخلصين له الدين يكونون في لحظتها صادقين في قولتهم: (( لئن أنجيتنا من هذه النكونن من الشاكرين ) )ذلك أنهم في فزعهم يشعرون أن الله قد يرضى عنهم ويخلصهم مما هم فيه من الكرب إذا تابوا إليه من انحرافهم واستقاموا على أمره، فيلجئهم الفزع إلى نية التوبة وإلى الوعد بالشكران. ولا يكون الشكران إلا بطاعة الله0

ولكن .. كم تبقى تلك المشاعر على إخلاصها؟! فقط لحين تنتهى الشدة ويزول الكرب! (( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) )!! ما أسوأ هذا الإنسان وما أخسره!

لقد عاد الستار الذى كان يحجب حقيقة الألوهية في نفسه فانسدل كما كان، وران على قلبه ما كان يرين عليه من قبل. ولم تكن تلك الصحوة إلا صحوة عارضة أنشأتها الشدة، فلما زالت الشدة عاد إلى ما كان فيه من غفلة، واستنام إلى ما كان فيه من بهتان!

(( يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) )0

نعم! إنه متاع الحياة الدنيا، ذلك المتاع الزائل الزائف هو الذى يلهيهم فينسيهم ربهم، وينسيهم آخرتهم، فيغرقون في هذا المتاع القريب غافلين عن كل ما عداه 0

ولكن بغيهم هذا هو في الحقيقة على أنفسهم. فماذا بعد ذلك المتاع القصير، المحدود بسنوات العمر المعدودة، ولو خلصت سنوات العمر كلها للمتاع؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت