الصفحة 59 من 105

وهذا كله من العبادات من أعمال القلوب: المحبة والخوف والرجاء ... كلها من أعمال القلوب، لا بد من صرفها لله سبحانه وتعالى، فمن صرف منها شيئا لغير الله كفر بالله سبحانه وتعالى، إلا ما جبل الله عز وجل عليه الناس من الحب الفطري، كميل الإنسان إلى قريبه وصديقه وأبيه وأمه وأخته وأخيه وولده من محبة أو مودة، فإن هذا أمر فطري، لكنه لا يطغى ويغلب على جانب حب الله سبحانه وتعالى.

والعلامة في ذلك: تقديم أصول الإسلام على رضا هؤلاء، فإن قدَّم أصول الإسلام ومعالم التوحيد على رضا هؤلاء فإنه حينئذ يكون قد قدَّم توحيد الله عز وجل على غيره، وإن قدَّم حب هؤلاء على شيء من فرائض الإسلام، كالتفريط في بعض الواجبات ونحو ذلك، ففرط فيها لرضا أبيه أو زوجته أو ابنه ونحو ذلك، فإن هذا قد شاب حبه شائبة، والإنسان يتقلب بين هذه الأعمال التي تتعلق بقلب الإنسان، فيتعلق بين الخوف والرجاء، وكذلك محبة الله سبحانه وتعالى باقية في قلب الإنسان. فأيهما يغلِّب الإنسان: الخوف أم الرجاء؟ وفي أي حال؟

النصوص فيها هذا متوافرة، فينبغي أن يكون متوازنًا في هذا، ولذلك يقول مطرف ... قال: الخوف والرجاء للإنسان كالجناحين للطائر، فإن عبد الله عز وجل بالخوف فإنه لا يُمسك وإنما يسقط. وهذا الذي عليه جمهور العلماء: أن الإنسان يكون بين الخوف والرجاء.

والتحقيق في ذلك: أن الإنسان في مسألة الخوف والرجاء له ثلاثة أحوال:

1 -الحالة الأولى: أن يغلِّب جانب الخوف، وهذا في الأمور المشتبهة كما في حديث النعمان بن بشير عليه رضوان الله تعالى في قوله عليه الصلاة والسلام: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات) قال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) جعل المرء في حال الشبهات ينبغي له أن يغلب جانب الخوف، فإذا وقع تحليل وتحريم في مسألة ما، و لم يترجح للإنسان فإن الأولى في حقه أن يغلب جانب التحريم احتياطا لدينه.

والمراد بذلك: ليس هذه المسألة فقط فحسب، لكن الإنسان إذا تجرأ على مسألة المتشابهات تجرأ على الوقوع في المحرم بذاته، وإذا قلل في جانب المتشابهات ابتعد عن الحرام الصريح، وهذا أمر معروف مجَّرب، ولذلك شبه النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ... قال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه) فإن الراعي حينما يرعى حول حمى الملوك فإنه كلما قُرَب من ذلك وجاء ببهائمه لكي ترعى حول حمى الملوك ونحو ذلك، كلما قَرُب منها فإنه ... حمى الملوك في السابق لا حدود لها، وإنما تُعرَف بحدود ورسوم ليست ببينة ... من حدود الجبل الفلاني إلى الجبل الفلاني، أو الوادي الفلاني إلى الوادي الفلاني، أو الشجرة الفلانية إلى الشجرة الفلاني، فإذا جاء الراعي يرعى فإنه يتجسَّر قليلا حتى يقع في الحمى، وجسارته ذلك توقعه في عقاب الملوك، لكنه حينما يبتعد عن مواطن الشبهات، فإنه يبتعد أصلا عن موطن التحريم ... ما يُحرم، وكلما تجرأ على موطن الشبهات كلما وقع أحد المراتب الحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت