الصفحة 62 من 105

وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية

وهذا لا أعلم مسندًا عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، وقد بحثت عنه طويلا منذ سنوات ولم أقف على إسناده، قد نقله ابن رجب عليه رحمة الله تعالى، وكذلك قد نقله شيخ الإسلام ابن تيمية، وعنهم قد نقل المصنف عليه رحمة الله تعالى في مواضع من رسائله.

ومعناه حقيق بذلك كذلك، فإن الإنسان إذا لم يعرف الباطل فإنه لا يفهم الحق على وجهه، ولذلك الحق والشيء يُعرف بأمرين:

1 -أولا: ببيانه وبيان ضده، ولذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى من مناهجه في كثير من مصنفاته أنه يعتني ببيان الأشياء والمسالك ببيان ضدها، فهو مثلا في كتابه التوحيد: سمى كتابه التوحيد، لكن جلَّ أبوابه الشرك: من الشرك كذا ... من الشرك كذا ... الشرك الأكبر ... ونحو ذلك، وأما ما يتعلق بالتوحيد بذاته فشيء قليل، فكأنه أراد أن يعرِّف التوحيد ببيان ضده، فمن عرف الضلال عرف الخير، ولذلك يقول حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. لأنه إن نجا من الشر وقع في الخير، لأن الأصل في الأشياء أنها موطن خير، إلا ما دل الدليل على أنه شر، فإن الشر هو الذي مستثنى، فكل ما في الدنيا هو خير، ويُستثنى الشر، فحينئذ إذا تبصَّر الإنسان بموطن الشر والضلال ومعرفة طرق الغواية، فإن ما عداه هو طرق الهداية، ولذلك جعل الله عز وجل في الأصل مما في هذه الدنيا ممن متاع ولذاتها، وكذلك المسالك ... أنها من باب الخير ومما أباحه الله سبحانه وتعالى.

أما في أمور التعبد لله عز وجل فالأصل في العبادة الوقف، وهو اتباع الدليل، لكنه في داخل هذا الدليل بيان لمسالك الخير ومسالك الشر، مواطن الابتداع ومواطن الاتباع، فكلما كان الإنسان بصيرًا بمواطن الابتداع كلما علم ضمنًا مواطن الاتباع، ولذلك صنف جملة من الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في البدع، فكتاب: (البدع والنهي عنها) لابن وضاح، وأبي شامة والطرطوشي وغيرها من المصنفات في هذا الباب ... نعم:

وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية فتنتقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت