ولذلك قاعدة عند السلف: أنه لا يلزم من الوقوع بالكفر إطلاق الكفر على الإنسان، ولا يلزم من الوقوع في البدعة أن تُطلق على هذا الشخص أنه مبتدع. فثمة شروط وثمة موانع، فلا بد من توفرها.
فإذا وقع الإنسان في الكفر لا يلزم من ذلك أن يُطلق عليه أنه كافر، فلا بد من النظر إلى أحواله بحسب الضوابط التي تقدم ذكرها فيما سبق.
كذلك الوقوع في البدعة: لا يلزم الوقوع في البدعة أن يطلق على الإنسان مبتدع، فربما كان له تأويل في ذلك، وكانت هذه من البدع التي تراها لكنه له رأي فيها ونحو ذلك، إما لرأي من السلف ونحو ذلك، فكلما كان الإنسان صاحب اتباع، وله سلف في قوله من أئمة الإسلام كلما خرج من دائرة الابتداع إلى دائرة الاتباع.
وغاية ما يرجوه الإنسان من الاتباع هو: ما دلَّ عليه الدليل من الكتاب، والسنة، وكذلك عمل الصحابة، فما عمل فيه الصحابة وإن كان مما لا يثبت فيه شيء من الكتاب والسنة، فلا ينبغي بل لا يجوز لإنسان أن يُطلق على من فعله أنه بدعة، بل أنه لا حرج عليه أن يطلق على ذلك الفعل أنه بدعة، كمسألة التعريف يوم عرفة في الحج، ثبت ذلك عن عبد الله بن عباس كما روى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من حديث قتادة عن الحسن قال: أول من فعل ذلك بالبصرة عبد الله بن عباس. يعني التعريف بعرفة، وهو جمع الناس يوم عرفة في غير عرفة وذكر الله عز وجل ووعظهم ونحو ذلك. وكذلك الدعاء ... هل هذا بدعة أم لا؟ يقال: أن هذا الفعل بدعة، لكن لا يُبدَّع صاحبه لأن له سلف، وسلفه هو من خير السلف وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عن جملة من أئمة الإسلام أنهم قالوا عن مسألة التعريف بعرفة أنه من البدع، وقد رُوي هذا عن نحو من عشرة من أئمة الإسلام وأئمة أهل السنة ... أنهم قالوا أن التعريف بعرفة أنه بدعة، لكن لا يقال لمن عرَّف بعرفة أنه مبتدع، وذلك لأن له شبهة قوية، وأن له سلف من خير السلف، وهم أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم، لكن أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُقال بذلك، كذلك ثبت عن عمرو بن حُريْث عليه رضوان الله تعالى كما عند ابن أبي شيبة أيضا.
ولذلك ينبغي للمرء أن يعتني بعمل الصحابة عليهم رضوان الله بعد عنايته بالكتاب والسنة، فإنهم أقرب الناس إلى فهم الدليل، وأنهم قد عاينوا التنزيل، وكذلك هم أدرى الناس بقرينة الحال وواقع الحال الذي قد نزل فيه الدليل، فإنهم أدرى الناس بتنزيله، وموضع الحكم فيه، وموطنه ... أدرى من غيرهم.
ولذلك قد شدَّد في هذا كثير من السلف، حتى منهم من قال أن الحديث الذي يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعمل به أحد من السلف لا أبالي بردِّه. ولذلك قد ذكر ابن أبي زيد القيرواني عن إبراهيم النخعي عليه رحمة الله تعالى قال: ما أبالي أتاني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعمل به أحد من الصحابة أن أرمي به عرض الحائط. ليس هذا استهانة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من باب تعظيمه، لأنه ربما كان من جملة المنسوخ، أو من جملة ما أُدخِل وكُذِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصحابة عليهم رضوان الله تعالى لا يمكن أن يأتي حديث عن رسول الله