تحية، كما يريد تحية إذا ألوى بيده لمار أو سلَّم عليه ونحو ذلك، أو سلَّم برأسه أو بإشارته وأراد بذلك تحية، فإذا وُجد عند بعض الشعوب التحية بالسجود هل يقال بكفرهم؟
يُقال: أنه لا يُقال بكفرهم إلا بعد تنبيههم أن السجود لا يكون تحية، بل عبادة محضة، فإن فعلوا ذلك بعد ذلك كفروا بالله سبحانه وتعالى، وذلك لوجود الشبهة، فإنه قد جاء في ذلك بعض الأحاديث، منها حديث معاذ السابق بورود السجود تحية، وقد وُجد عند بعض أحوال العرب كما ذكره بعض أهل السير.
فيقال حينئذٍ بأنه الأصل أن السجود عبادة، فمن فعله وهو يعلم أنه عبادة وقربة لله سبحانه وتعالى كفر بالله عز وجل، أما إذا عُلم في عُرف قوم تحية فينبَّهون أنه عبادة، فإن فعلوا بعد ذلك ... بعد إفهامهم أنه عبادة يُكفَّرُون بسجودهم لغير الله سبحانه وتعالى.
وأما الركوع فهو كالسجود، لكنه وروده تحية أشهر من السجود، فلا يُكفَّر من ركع لغير الله سبحانه وتعالى، وعُلم من فعله أنه أراد تحية، إلا بعد إعلامه أنه عبادة، فمن فعله من أهل الإسلام وهو يعلم أن هذا عبادة لله سبحانه وتعالى محضة، وليس بتحية، ونهى الإسلام عن فعله تحية، فإنه حينئذٍ يكفر بهذا من غير تنبيه، أما إذا عُلم - وهو كالسجود - عند شعب من الشعوب أنه تحية ونحو ذلك، فينبَّهون إلى ذلك أنه عبادة، ثم بعد ذلك يُطلق بكفرهم إن فعلوا ذلك وإن أرادوا به تحية، لأن العبادة لا يمكن للإنسان أن يقلبها من حالها، فالشارع قد جعلها عبادة وإن زعمت أنها تحية، فمن صلى صلاة، وقال لأنني لا أريد بذلك عبادة، كمن يصلي ركعتين عند قبر ونحو ذلك، ويستقبل بها هذا القبر، ويقول أنا أريد بها تحية، نقول هذا لا يُقبل منك، هذا الفعل جعله الشارع عبادة، فإن فعلته وصرفته لغير الله عز وجل كفرت.
أما القيام - وهو: قيام الجالس وصموده بين يدي العظماء ونحو ذلك - هل هو من العبادة أم لا؟
يقال: أن القيام تحية، وهذا معروف في الجاهلية وكذلك في الإسلام، ولم يُقرِّه الشرع، والمراد بذلك الصمود، أما القيام بذاته للقادر فقد جاء الدليل عليه، والمراد بذلك هو أن يصمد الإنسان قائما.
فثمة من البعض قد جعلوه من باب العبادات، قالوا وهو كالسجود، لأن الله عز وجل قال: (وقوموا لله قانتين) قالوا: فجعل الله عز وجل القيام كالسجود، فلا يُصرف إلا لله سبحانه وتعالى، فمن صرفه لغير الله، وقام صامدًا بين يدي العظماء، كفر بالله عز وجل، لصرفه تلك العبادة لغير الله. وهذا قياس مع الفارق، وهذا قول فاسد ... لمَ؟
1 -أولا: أن السجود عبادة لله سبحانه وتعالى بذاته استقلالا ... دل الدليل عليه، كسجود التلاوة وسجود الشكر وسجود الآية وغير ذلك من غير صلاة، أما القيام ... فهل يُقال أنه يسوغ للإنسان أن يقوم تعبدا لله من غير صلاة؟ لا يسوغ ذلك. إذًا ... ليس هو بعبادة مستقل، كذلك الركوع شبيه به ... لا يمكن للإنسان أن يركع من غير سجود، يقول هذا عبادة لله سبحانه وتعالى ... نقول: قد ابتدعت واحدثت.
لكن بالنسبة للقيام: القيام لا يكون عبادة إلا إذا كان في الصلاة فقط، فمن قام تعبدًا لله تعظيما نقول: قد ابتدعت. ولذلك لما قام الرجل في الشمس أراد تعبدًا نهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وقال: (إن الله غني عنك) فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع ذلك.