الصفحة 69 من 105

2 -وشفاعة منفية.

فالمنفية هي التي بُني عليها الأصل ... أنه لا شفاعة لأحد مطلقا، فالله عز وجل لا يقبل شفاعة أحد إلا - والمستثنى هنا هو الشفاعة المثبتة - من رضي الله عز وجل عنه ليُشفع له، وإذن الله عز وجل للشافع أن يشفع.

والشفاعة الأصل أنها لا تكون إلا لأهل الإيمان، أما الكفار فالله عز وجل قد أخذ على نفسه أن لا يغفر لمن أشرك معه شيئا، وهذا أمر أخذه الله عز وجل على نفسه، والله عز وجل يلزم نفسه بما شاء، ويحرِّم على نفسه ما شاء كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي في الصحيح: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) والله سبحانه وتعالى يجعل على نفسه حقوقًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث معاذ: (ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله) فالله عز وجل يُحق شيئا على نفسه، ويُحرم شيئا على نفسه، وليس لأحد أن يُوجب على الله عز وجل شيئا.

خلافا لما ذهب إليه المعتزلة وطوائف من المتكلمين الذين يرون أن الله عز وجل يُجب عليه أن يغفر للعباد بتوبتهم له، وأنه من تقرَّب إلى الله عز وجل بالطاعات ... وقد انحرف فيها هذا جماعة كثير من أهل السنة ممن ينتسب إلى السنة في هذا الباب، وحملوا بعض النصوص التي ألزم الله عز وجل بالغفران لمن قال لا إله إلا الله، وكانت آخر كلامه من الدنيا ونحو ذلك، فيُقال: هذا هو إيجاب الله عز وجل على نفسه، لكن ليس لأحد أن يوجب على الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يتنزَّه عن مثل ذلك.

وأما شفاعة الكفار فالأصل فيها أنها منفية، ويُستثنى من هذا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، وشفاعته لأبي لهب كما تقدم - إن صحت، وإن كانت في صحيح البخاري فهي ليست على شرطه - بسبب إعتاقه لمرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية ... نعم:

والله لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن

والفرق بين الشفاعة المنفية والمثبتة: أن الشفاعة التي أثبتها الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم لا تكون إلا في الآخرة، فالله عز وجل يأذن للشافع أن يشفع يوم القيامة في العرصات، أما في الدنيا لا يوجد شفاعة أحد يشفع لأحد، الناس كلهم سواء، يسألون الله عز وجل حاجاتهم، ويتقرَّبون إليه بالطاعة، ويسألونه النفع ودفع الضر، وكلهم سواء في ذلك، وإن سألوا أحدًا في هذه الدنيا كما سأل كفار قريش كفروا بالله سبحانه وتعالى.

لأن الشفاعة هي مأخوذة من الشِّفع، وهو أن يقترن الوتر بغيره فيكون شفعًا، فيعتضد بغيره فيقوى، فيقال: اعتضد فلان بفلان أي: قوي به. ولذلك تسمى الشفاعة شفاعة لأن الإنسان ليس بمفرده، فاعتضد به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت