الصفحة 70 من 105

ليتوصَّل به إلى منشوده ومقصوده، وهو رضا الله سبحانه وتعالى ومغفرته، وهذا ليس في الدنيا، فالله عز وجل قد جعل الناس سواسية (إني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ، أما في الآخرة فيأذن الله عز وجل لمن شاء من عباده أن يشفع ... نعم:

فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي إذا زرنا قبور المسلمين

والمقابر قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن زيارتها في أول الأمر كما في الصحيح: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة) وفي رواية: (وتزهِّد في الدنيا) وهذه هي الحكمة التي شُرعت لأجلها زيارة المقابر، لا يوجد حكمة أخرى.

قد يظن البعض، وقد وُجد كذلك في كتابات بعض العلماء: أن زيارة المقابر تشرع للوقوف على قبر الميت، والدعاء له، يُقال: هذا ليس بمشروع ولا دليل عليه، وإنما المشروعية لزيارة المقابر هي بسبب تذكر الآخرة، والزهد في الدنيا، لا للدعاء للميت.

فقد يقول قائل: وهل ثمة فائدة من معرفة قبر فلان بن فلان، حتى يزوره فلان. نقول: نعم ... ثمة فائدة، وهي داخلة في هذا الباب، لأن الإنسان حينما يقف على قبر أبيه، أو على قبر أمه، أو على قبر أخيه، أو على قبر ابنه، يحضر له من التزهَّد في الدنيا والبعد عنها، لأنه يستحضر ذلك الميت، وجلادته وصلابته في الدنيا، وكذلك سعيه فيها، فيُعرض عن الدنيا، بخلاف حينما يأتي إلى قبر لا يعلم صاحبه، فإنه أدعى إلى التزهُّد في الدنيا.

ولذلك يقال: أن الحكمة من زيارة المقابر هي تذكُّر الموت، وحضوره في قلب الإنسان، وكذلك أن يزهد الإنسان في الدنيا، أما أن يحضر إلى المقابر ليدعو لهم فهذا تعضده النصوص، بل لم يأت نص في هذا يُعتمد عليه، وإنما الدعاء للأموات في السجود وفي أقاصي الدنيا يبلغهم، والدعاء للميت عند القبر أو بعيدًا عنه لا فرق بينهما.

وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: (استغفروا لأخيكم فإنه الآن يُسأل) فإن هذا لأنهم كانوا عند القبر بعد دفنه، ولم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضور عند المقابر للدعاء لها، ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصد المقابر لغير هذا الشيء، وأن الأصل في ذلك النهي إلا لهذه الحكمة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) إذًا ... فالأصل أنه منهي عنه إلا تذكر الآخرة، تذكر الموت والتزهُّد في الدنيا.

فعلى هذا: هل يُقال بأن زيارة المقابر لغير هذا المقصد منهي عنه أم لا؟

يقال: الأولى أن لا تُزار لغير هذا المقصد، لأن هذا هو ما دل عليه الدليل، أما من أراد أن ينظر إلى المقابر من غير زهدٍ في الدنيا ونحو ذلك، أو يطَّلع على قبر فلان مثلا، أو ينظر مثلا إلى معالم تاريخية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت