القلب في غير موضعه، والله عز وجل قد جعل للقلب عبودية عظيمة جليلة، وهي الخوف والرجاء والتوكل والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والمحبة، فإذا وضع هذه الأشياء في غير موضعها فقد ظلم نفسه، وتعدَّى وبغى، وارتكب أعظم أنواع الظلم، لأنه قد ساوى الخالق بالمخلوق، والله جل وعلا قد جعل هذا النوع من الظلم أشد أنواع الظلم: (إن الشرك لظلم عظيم) ... نعم:
وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأوليائه المؤمنين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، أو أنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم. ولله در خليله إبراهيم حيث يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام. رب إنهن اضللن كثيرًا من الناس)
ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم، فإذا كان إبراهيم يدعو الله عز وجل أن يُجنِّبه عبادة الأصنام، لأن الشرك فتنة، وسماه الله سبحانه وتعالى فتنة، لأن الإنسان إذا أُشرب في قلبه قلَّما يتركه، لذلك المشركون قد ضلوا ورضوا بالقتل والهوان والصغار في هذه الدنيا وإن كانوا مقرَّون بتوحيد الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال الله جل وعلا عنهم: (إن الشرك لظلم عظيم) فإذا وقع الإنسان في الإشراك مع الله عز وجل قلَّما ما يتركه، إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى، لأنه غاية في الفتنة، وقد وصفه عز وجل بذلك.
من نظر وجادل المشركين الذين يعبدون الأوثان والأصنام وجد أنهم أشد عنادًا من أهل الأهواء وأهل البدع والضلال والزيغ الذين أشربت قلوبهم بالبدعة والضلال، لتمسُّكهم بمعبوديهم، فهم يعيشون معهم في تخيلاتهم، وفي مناماتهم، فهم علَّقوا كل شيء ... اليقظة والمنام والسكون والحركة بهؤلاء الأولياء الذين يعبدونهم من دون الله سبحانه وتعالى، فأشربوا في قلوبهم، ولذلك الله عز وجل قد وصف ما تعلَّق به بنوا إسرائيل بالعجل ... قال: (وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) فهذا هو أعظم أنواع الفتنة: أن يُفتن الإنسان في دينه، وخاصة الإشراك بالله سبحانه وتعالى، ولذلك قال الله عز وجل: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) والمراد بالفتنة هو الكفر، وهذا مفسَّر عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك فقد قال إبراهيم النخعي كما رواه ابن جرير الطبري وكذلك ابن أبي حاتم من طرق عدة عن إبراهيم ... قال: من يأمن البلاء بعد إبراهيم، حيث دعا الله عز وجل أن يجنبه عبادة الأصنام ويبعده عنها ... نعم:
ولله در خليله إبراهيم حيث يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام. رب إنهن اضللن كثيرًا من الناس) وما نجى من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله. انتهى كلامه