وهذا مشاهد ملموس: أن الإيمان إذا وقر بقلب الإنسان، وإن لم يظهر على جوارحه شيئًا من العمل والإكثار من القربات، فهو أحب إلى الله عز وجل وأعظم ممن يتقرَّب إليه في الظاهر وهو كافر به في الباطن، أو يبكي ليل نهار عند القبور ... يطلبهم أن يكونوا شفعاء ووسطاء عند الله سبحانه وتعالى، فهذا في أسفل السافلين، ومن جملة الكفرة والملحدين، وذاك من أعظم المقربين عند الله سبحانه وتعالى، فإذا كان في الناس من يحبُّك و يُكنُّ لك تعظيما، إلا أنه ليس بصاحب وِصال لك، فإنه أعظم قدرًا ... بل بالمنزلة العليا عندك في مقابل من يُنفق عليك ويُحسن إليك، وأنت تعلم أن قلبه مليء بالحقد عليك والإعراض عنك، فإن ذاك أعظم لأنه قد عقد قلبه على حُبِّك وإن لم يصرف شيئا من جوارحه إليك، ولله عز وجل في ذلك المثل الأعلى، ... نعم:
والمراد بهذا أن بعض الملحدين نسب إلى الشيخ أن هذا شرك أصغر، وشبهته أنه ذكره في الفصل الثاني الذي ذكر في أوله الأصغر. وأنت رحمك الله تجد الكلام من أوله إلى آخره في الفصل الأول والثاني صريحًا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة منها: أن دعاء الموتى والنذر لهم ليشفعوا له عند الله هو الشرك الأكبر الذي بعث الله النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عنه فكفر من لم يتب منه وقاتله وعاداه، وآخر ما صرح به قوله آنفًا: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلى آخره اهـ.
فإذا كان سؤال الأحياء الشفاعة والوساطة بينه وبين الله عز وجل كان شركا أكبر، فسؤال الموتى من باب أولى.
وأما ما تقدم الإشارة إليه من سؤال الميت أن يدعو لك عند الله، أو يدعو لك بالمغفرة ... دعاء، لا تسأله وساطة، فإن هذا من البدع المحدثات وليس من الشرك، لجوازه في حال الحياة، ووُرود الشبهة فيه في حال الموت، فإنه قد ثبت في كلام الله عز وجل وأحاديث كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا أن الموتى يسمعون، فإذا ثبت سماعهم ... قد سكت الشارع عن كلامهم ودعائهم، فيُقال: أنه لما كان جاز في حال الحياة أن يسأل الإنسان الحي أن يدعوَ له بالمغفرة والرحمة، أو يتوب الله عز وجل عليه، فيُقال: أنه كذلك لورود هذه الشبهة في حال الميت، وثبوت سماعه بالنص ... يُقال أن ذلك من البدع، لعدم وروده عن السلف، فلم يكونوا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يأتون إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وهم أحوج الناس إليه، وقد عاينوه، بل أعظم الناس تعلقًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الإنسان إذا عاين محبوبه وفقده أشد تعلقًا به ممن سمعه ولم يره، ولذلك لم يأتوا إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يصرفوا شيئا، بل لم يطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، بل عمر بن