الخطاب عليه رضوان الله تعالى قدَّم العباس لكي يدعو لهم، ولم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء، ولذلك قيل أن هذا الباب من أبواب البدع والمحدثات، وليس من أبواب الشرك، لأنه مورد من موارد الشبهة، فتُدرأ مسألة الشرك والتكفير في هذا الباب ... نعم:
منها أن دعاء الموتى والنذر لهم ليشفعوا له عند الله هو الشرك الأكبر الذي بعث الله النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عنه فكفر من لم يتب منه وقاتله وعاداه، وآخر ما صرح به قوله آنفًا: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلى آخره اهـ. فهل بعد هذا البيان بيان إلا العناد بل الإلحاد. ولكن تأمل قوله أرشدك الله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين إلى آخره اهـ. وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعادات أهل الشرك الأكبر وإن لم يعاديهم فهو منهم وإن لم يفعله. وقد ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين، أن من دعا علي ابن أبي طالب فهو كافر، وإن من شك في كفره فهو كافر، فإذا كان هذا حال من شك في كفره مع عداوته له ومقته له
من كفر بالله سبحانه وتعالى، وظهر كفره وعناده وإشراكه وجب تكفيره، ومن لم يكفِّره فهو كافر، لتكذيبه ما ثبت في الكتاب والسنة، والنصوص في بيان كفر المشركين مليء بها الكتاب والسنة، ولذلك من أحجم عن تكفير المشركين، وقال بعدم كفرهم، وشَكَّك في ذلك، فهو مُشَكَّك بصدق الكتاب والسنة، وحينئذٍ يكفر من هذا الباب، وتقدم التقسيم في مسألة عدم تكفير الكافر.
وقد ذكر العلماء عليهم رحمة الله تعالى قاعدة أصلية: أن من لم يُكفِّر الكافر فهو كافر. والمراد بالكافر هنا هو الكافر الأصلي، ليس من طرأت عليه شبهة، وأما إذا كان مرتدًا قد وقع في شيء من أنواع الردة من نواقض الإسلام ولم يُكفِّره الإنسان، مع علمه أن ما وقع فيه مُكفِّر، لكنه لم يُكفِّره بعينه، ربما لورود شبهة عليه، فإن هذا لا يكفر، لأنه مُقر بأن هذا الفعل كفر، لكنه قال: ربما قد وقع في قلب هذا الرجل شبهة ونحو ذلك، ولذلك لا أُكفِّره من هذا الوجه. فإن هذا ليس بكفر، ولكنه يُبيَّن له الحال ولا يُقال بالكفر، أما الكافر الأصلي الذي ليس قريبًا من الإسلام، كاليهود والنصارى والمسيحين والصابئة وغيرهم ... فإن هؤلاء كفار ومن شك في كفرهم أصلا فقد كفر بالله سبحانه وتعالى، ويخرج من هذا من اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى أصلا، والنصوص فيه محتملة في تكفيره كتارك الصلاة، فإن هذا لا ورود للخلاف فيه.
واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في مسألة تكفير المؤمن المسلم، هل هو من المكفِّرات أيضا؟ فيكون مقابلًا لمن لم يُكفِّر الكافر: أن من كَفَّر مؤمنا كفر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) هل هذا يُعد من نواقض الإيمان أيضا على الطرد في المسألة الأولى؟