فيكون أن من لم يُكفِّر الكافر فهو كافر، ومن كَفَّر المؤمن فهو كافر أيضا، باعتبار اشتراكهما بتكذيب النص.
وإخراج من دائرة الإسلام وهو ثابت إسلامه أعظم عند الله عز وجل من إدخال الكافر في دائرة الإيمان، لأن الأصل في الإنسان هو الإنابة إلى الله عز وجل، وأنه من أهل الإيمان.
فيُقال: أن من كفَّر مؤمنا قد ثبت إيمانه ... الأصل فيه أن هذا من المكفرات، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (فقد باء بها أحدهما) أي إما أن يكون هذا الرجل هو الكافر، وإما أن يكون الآخر. وحمله بعضهم وتأوَّله بتأولٍ بعيد، قال: أن المراد بذلك الكفر الأصغر. وحمله بعضهم على الاستحلال. فيُقال: أن النبي عليه الصلاة والسلام علَّق الأمر بالقول، ولذلك قال: (من قال لأخيه يا كافر) ولم يُعلِّقه بما في القلب، ومسائل الكفر لا يُطلق القول بتعلُّقها بالقلب فحسب، أو تعلُّقها بالجوارح فحسب، وإنما تتعلق بالجوارح، وتتعلق بالقلب أيضا، وذلك علَّق الشارع هنا الكفر هنا بالقول (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) فمن كفَّر مؤمنا قد ثبت إيمانه من غير شبهة، وجب عليه أن يُجدد إيمانه لظاهر النص، كمن قال في كافر قد ثبت كفره من الكفار الأصليين أنه ليس بكافر وهو مسلم = وجب عليه أن يُجدد إيمانه ... هذا هو ظاهر الدليل.
ومن حمله على الكفر الأصغر فإنه يُناقضه الدليل الذي استدل به، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) فيُقال: ما الذي باء به الأول؟ هل هو الكفر الأصغر أم الأكبر؟ هو قد يبوء القائل بكفر أصغر، أما الأول ما الذي يبوء به؟ لا يبوء إلا بالكفر الأكبر.
فعلى هذا: تقسيم النص على أن ما يبوء به الأول كفر أكبر، وما يبوء به الثاني كفر أصغر ... تفصيل وخرم للدليل عن اضطراده، وهذا لا يتأتَّى عند النصوص الشرعية، فالأولى في مثل هذا أن يُحمل الأول والآخر كذلك على أنه كفر أكبر،
فمن قال لأخيه يا كافر، وقد ثبت إيمانه، فقد كفر بالله سبحانه وتعالى ... من أهل الإيمان الأصليين، من غير ورود شبهة.
أما مع وُرود الشبهة: فإن هذا مع خطر بابه وعظيم الأمر فيه فإنه لا يُقال أن الإنسان يكفر فيه، كما تقدَّم أن من لم يُكفر الكافر لورود شبهة عليه أنه ليس بكافر، وذلك لورود الشبهة، وهذه الأبواب يجب على المؤمن أن يحترز فيها ... في مسألة تكفير من لم يُكفر الكافر الذي قد ارتد بشبهة عليه، فإنه يجب عليه أن يتحرى في ذلك، كذلك تكفير المؤمن الذي قد بان إيمانه، وكان ما وقع فيه شيء دون شبهة، أو شبهة قوية جدا، فليتحرَّى المؤمن في هذا الباب، فإنه كما يُشدَّد في عدم تكفير الكافر، فيُشدَّد كذلك في تكفير المؤمن، فكلاهما خطير، وجاء النص بتكفيرهما.
وقد يهرب بعض الناس من عدم تكفير الكافر، فيقع في تكفير المؤمن، وهذا باب خطير، ومزلق عظيم، كلاهما يُوبق الإنسان ويُهلكه، فينبغي لطالب العلم خاصة، وعلى المسلم عامة أن يحذر من هذا الباب، وأن يتحرَّى فيه غاية التحري، وأن يرجع إلى العلماء عند الإشكال في هذه الأبواب، فإن إطلاق اللسان