والمزارات، ويكونون من أثرياء الدنيا بسببها، فيعِّز عليهم أن يتركوا الإشراك مع الله عز وجل، فهذا لا عذر للإنسان فيه، بل أول من يدخل في دائرة الكفر، لأن الإنسان لا يمكن أن يُقر ويعلم أن الإشراك مع الله عز وجل غيره يجلب له الفقر ثم يُقدم عليه.
ولذلك جعل الله عز وجل الإشراك مع الله عز وجل فتنة، وسماه فتنة كما تقدم، بل أخبر الله سبحانه وتعالى أن كفار قريش لو عاينوا النار يوم القيامة فإنهم يتمنَّون أن يعودوا إلى الدنيا (ياليتنا نُرد ولا نكذِّب بآيات ربنا) الله عز وجل كذبهم في دعواهم ذلك ... قال (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) فإذا كان هؤلاء بعد معاينتهم للنار، ومشاهدتهم لها، ورأوها يحطم بعضها بعضا، ورأوا الكفار فيها، تمنوا العودة إلى الدنيا، لشدة فتنة الإشراك مع الله عز وجل غيره (لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) لأن الإنسان يُكابر نفسه، ويلتبس ويتعلَّق بحجج أوهى من بيت العنكبوت، وهي توبقه في النار.
ولذلك لا يُقبل الحجة ولا يقبل ذات الدليل، قد يُقال أن فلان يستدل بكذا وكذا، كما استدل كفار قريش، لا يوجد أحد في الدنيا إلا وله دليل، ولا يمكن لأحد أن يقول هذا الباطل باطل وأنا أبقى عليه، ولكنه يُخادع نفسه ويمنيها بأدلة واهية، ولذلك ما عذر الله عز وجل كفار قريش، لأنهم يقولون نحن نتخذ هؤلاء وسائط، فكأنهم قالوا: نحن نتوارى من ذنوبنا أمام الله عز وجل، خجلا منه أن نسأله، ولكن يسأله هؤلاء الأولياء، تعظيما وإجلالا لله سبحانه وتعالى. وهذا من حيل الشيطان، وحيل إبليس، فما قبِل الله عز وجل عذرهم، وحكم الله سبحانه وتعالى ورسوله بكفرهم، وأنهم من أهل النار، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبى نساءهم وأموالهم، وجعلهم من جملة الهالكين في الدنيا والآخرة ... نعم:
وقد قال تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) فإذا كان هذا قول الله تعالى فيمن تعذر عن التبيين بالعمل بالتوحيد ومعادات المشركين بالخوف على أهله وعياله فكيف بمن اعتذر في ذلك بتحصيل التجارة
ولا يمكن أن تتحقق نصرة التوحيد والإيمان إلا بمعادة أهل الكفر والضلال والزيغ، ولا يمكن أن تقوى شوكة الإيمان إلا بموالاة أهل الإيمان ومعاداة أهل الكفر.
ومن تأمل هذا الباب وجد أن النصوص فيه أكثر من أن تُذكر، والنصوص في كتاب الله سبحانه وتعالى عظيمة، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير متظافرة، بل لا يمكن أن يقوم لحق شوكة، ولا يمكن أن يزهق باطل، إلا بسبب الولاء والبراء ... الولاء لأهل الإيمان، والبراء من أهل الإشراك، بل لا يمكن أن تقوم ملة في الأرض ودعوة إلا بسبب الولاء وسبب البراء، ولا يمكن أن تنتصر أمة على أمة أخرى وشعب من الشعوب على شعب آخر إلا بسبب الولاء فيما بينهم، ولذلك شدَّد الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر، وشدَّد رسوله، وجعل مولاة أعداء الله سبحانه وتعالى من الكفر، وإن كان من يُواليه الإنسان أقرب قريب، كأبيه وأمه وأبيه وأخيه، فإنهم لا موطن لهم هنا، لأن الأخوَّة هي أُخوَّة الإيمان،