الصفحة 79 من 105

ويوجبون التوحيد بل يسوغون الشرك، أو يأمرون به أولا يوجبون التوحيد، وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء

وعلى هذا فمن دعا إلى الإشراك مع الله عز وجل غيره، ودعا إلى نبذ التوحيد، وإن كان مقرا به في قلبه، ومقر به كذلك بلسانه، فإن هذا من علامة الكفر، لا يمكن أن يقر التوحيد في قلب الإنسان، وهو معارض له بدعوته، فيدعوا للإشراك مع الله عز وجل، ويدعو للإلحاد، ويزعم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

ولذلك النطق بالشهادتين ... لا بد أن تُصدق ذلك الجوارح، فمن الناس من يقول لا إله إلا الله ويُناقض ذلك قوله وفعله، وحينئذٍ لا تنفعه هذا الكلمة بمجرد التلفظ بها، لأنه قد وقع في شيء من شعب الكفر الأكبر، وخرج من الإسلام به ... نعم:

وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك. وهم إذا ادعوا التوحيد إنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لابد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه فلو كانوا موحدين بالقول والكلام لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لابد أن يعبد الله وحده ويتخذ إلهًا دون ما سواه

ولذلك من زعم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقد ترك العمل بالجملة، فلم يعمل خيرًا قط، هل يقال بإيمانه أم لا؟

قد جاء في المسند وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، ثم قال لأهله: إن أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذرُّوني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابا ما عذَّبه أحدا من العالمين .... ) إلى آخر القصة المشهورة، والقصة أصلها في صحيح الإمام مسلم عليه رحمة الله تعالى من حديث أبي هريرة، في قول الزهري: حدَّثني بحديثين، أعجبُهما إلي ... قال: حدَّثني عن أبي هريرة - يقصد حُميد - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دخلت امرأة النار في هرة، حبتسها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ، وأما الثاني: فهو رجل حضرته الوفاة، ثم قال لإبنائه ... إلى آخر الحديث. من نظر إلى هذين الحديثين وجد أن المرأة يظهر أنها من أهل الخير، لكنها أُدخلت النار بسبب هرة حبستها، والثاني لم يعمل خيرًا قط إلا ما وقر في قلبه من التوحيد، ثم أدخله الله عز وجل الجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت