ثم ذكر هنا أن الإنسان لا يغتر برحمة الله سبحانه وتعالى، فيسرف على نفسه بالذنوب، فربما وقع الإنسان في شيء من المعاصي فكانت موبقة له، لأنه قد صاب ذلك استهانة في جنب الله، وربما وقع في شيء من الكبائر وقلبه وَجِل منها، وينتظر أن يحل عليه عقاب الله عز وجل في نفسه وماله وولده، فتكون في حقه كالصغيرة، وربما شخص يرتكب صغيرة مستهين بها ... محتقرًا لها، غير مراقب الله سبحانه وتعالى فيها، معرضا عنها، نسيها حال تركها، فتكون ربما في حقه في عداد الكبائر، ولذلك من نظر إلى النصوص في الشرع لم يجد ثمَّة قدر معين دقيق في الفاصل بين الكبائر والصغائر، ولذلك قد أشكل هذا الباب على كثير من العلماء، والأصل فيه أنه بحسب ما يَقِر في قلب الإنسان، وإن كان ثمة بالجملة نصوص في الكتاب والسنة جاء الوعيد فيها والتشديد، ولذلك من نظر إلى الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعظيم أمر معين في حالة معينة ... كقوله عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة أنا خصمهم ... ) وذكر منهم عليه الصلاة والسلام ... قال: ... (الأشيمط الزاني) وذكر منهم الملك الكذاب، لأن الأشيمط الزاني - وهو شيخ كبير - الذي يقع في الزنا الدافع، في قلبه إلى متعة الزنا ليست كغيره من سائر الناس، ولا يمكن أن يقدم إلى ذلك إلا وقد استهان في جنب الله سبحانه وتعالى، فالدافع في ذلك ضئيل في نفسه، فكان من أعظم عند الله سبحانه وتعالى بخلاف غيره لو وقع في الزنا، والملك الكذاب الذي لا يدفعه للكذب أحد، فإن الإنسان ربما يدفعه للكذب مجاملة لأحد أو خشية من عقابه وبطشه، أو ربما طمعا في دنيا ونحو ذلك، لكنه إن كذب وهو لا يرجو من أحد شيئا، ولا يخاف أحد، فإن هذا لا يمكن أن يصدر من الإنسان إلا وهو في غاية من الاستهانة بحرمات الله سبحانه وتعالى، فكلما كان الإنسان ليس متعلقًا بالمخلوقين من جهة العمل، ولا يجد في قلبه اندفاعًا إليه فوقع فيه من باب الآثام فهو أعظم عند الله سبحانه وتعالى، وهذا كذلك من باب المقابلة في مسألة الثواب والطاعات، فكلما كان الإنسان منصرفًا عنها زاهدًا فيها، وأقبل عليها بإرغام نفسه، كلما كان الثواب عند الله عز وجل أعظم، وتقدمت الإشارة في هذا.
أما من قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرًا قط، ولم يعمل شيئا من ظواهر العمل، فهل يحكم بإيمانه أم لا؟
يُقال: أن العمل لا بد أن يظهر من الإنسان، وإن لم يظهر منه ... فإن ادعاءه بالشهادتين باطل، ولا يُقبل منه ذلك، لأنه لا بد أن يصدِّق قوله واعتقاده بقلبه عمل، والمراد بالعمل الذي لابد أن يصدِّقه ليس بالعمل الذي تدلُّ عليه الفطر عامة من غير تشريع، كصلة الأرحام، وبر الوالدين، وبذل التحية، والإحسان إلى المحتاج ونحو ذلك، وإنما هو عمل اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وقراءة القرآن وأمثالها، أما العمل العام الذي يدخل في دائرة الخير من فضائل الأعمال ونحو ذلك الذي تدل عليه سائر الفطر السوِّية من سائر الملل، كصلة الرحم، وبر الوالدين، فإنه يسعى إليه حتى الوثنيون، فلا يُقال أن هذا هو الذي يُدخل الإنسان في الإيمان ... لا، وإنما هو العمل الذي اختصَّت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما من استدل بحديث الرجل الذي لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد ...