الصفحة 92 من 105

وتارة لا يذكرون شيئًا من ذلك بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب رد الأمر عند التنازع إليهم وغير ذلك من الأقاويل المضطربة، وجواب هؤلاء كثير في الكتاب، والسنة، والإجماع.

ومن أصرح ما يجاوبون به إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، وأيضًا إقرار غيرهم من علماء الأقطار، مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدًا من الإقرار به لوضوحه.

المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر ولكن لا يكفر به إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول والقرآن واتبع اليهودية أو النصرانية أو غيرهما، وهذا هو الذي يجادل به أهل الشرك والعناد في هذه الأوقات، وإلا المسألة الأولى قلَّ الجدال فيها ولله الحمد لما وقع من إقرار علماء الشرك بها. فاعلم أن تصور هذه المسألة تصورًا حسنًا يكفي في إبطالها من غير دليل خاص لوجهين:

الأول: أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها في التكفير لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها وكذب الرسول والقرآن فهو كافر وإن لم يعبد الأوثان كاليهود، فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول لا إله إلا الله ويصلي ويفعل كذاو كذا لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة أو العمى أو العرج، فان كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع

ولذلك لا عبرة بالدعوى، أن يدَّعي الإنسان أنه على الإسلام، وخالف الإسلام بقوله أو فعله، وكم من مدَّعٍ الإسلام قد خرج من الإسلام وهو لا يشعر، ولذلك لا عبرة بالحجة وهو ما يقوله الناس أنه على الإسلام، أو مُتَّبع للدليل ونحو ذلك، ولا يطَّلع على القلوب إلا الله سبحانه وتعالى، ونحن مأمورون بالأخذ بالظاهر ... الأخذ بالأفعال، وكذلك الأقوال، يكفر الإنسان بقوله وإن خالف قوله فعله، لأنه مُلزَم بذلك كله، إن كفر بقوله وخالف فعله فإنه يكفَّر، لأنه ارتكب شيء من نواقض الإيمان بشيء معتبر شرعًا، فكفر بذلك وخرج من ملة الإسلام.

ومن قال أن الناس يُؤخذون بدعواهم وإن ناقضوا بأفعالهم فهذا قول لم يقل به أحد من أهل الإنصاف في كل ملة من الملل التي بقوا عليها، بل أنه لم يشم رائحة التوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت