ومن نظر إلى طوائف الكفر والأمم الكفرية التي خرجت عن دين الله سبحانه وتعالى، من لدن نوح عليه السلام، وجد أنه في كل ملة حجة يحتجون بها عن الخروج عن عبادة الله سبحانه وتعالى، وانتحال شريعة من الشرائع الباطلة الفاسدة، وعبادة غير الله سبحانه وتعالى، من نظر إلى قوم نوح وهود وصالح واليهود والنصارى بني إسرائيل وجد أنهم أصحاب حجج بالانصراف عن دين الله سبحانه وتعالى، كما كان كفار قريش أصحاب حجج، فهم أرادوا عبادة الله سبحانه وتعالى، وجحدوا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، بل لم يعلنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم على حق، بل أنهم يظنون ويزعمون أنهم على حق وإن كان جملة منهم يعلمون أنهم على باطل كما قال الله سبحانه وتعالى: (جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) ، ولذلك قد علَّق كثير من ملاحدة العصور بل غلاة المرجئة من الجهمية وغيرهم ... قالو أن الإيمان هو المعرفة ... هو أن يؤمن الإنسان ويعرف الله سبحانه وتعالى واحد، وإن خالف بقوله وفعله، ومن نظر إلى كثير من المتكلمين في هذا العصر من العقلانيين وغيرهم يعلِّقون الإيمان باللسان، ومنهم من يعلِّقه بظواهر فعل الإنسان، ومنهم من يعلِّقه كذلك بما يقر في قلب الإنسان من إيمان بالله سبحانه وتعالى، وهذه هي دعوة الجهمية بعينها.
ولذلك الجهم بن صفوان ملته يهودية، وقد أخذ ملته من اليهود، وإسناد ملته معروف: فهو قد أخذ ما لديه من رأي في تجهُّمه عن واصل بن عطاء، وواصل بن عطاء أخذ ملَّته عن بيان بن سَمْعان، وبيان بن سَمْعان أخذ ملَّته عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي عليه الصلاة والسلام ... وهذا هو إسناد الجهمية، إلحادٌ في الله سبحانه وتعالى، ومن نظر إلى حال كل من كفر بالله سبحانه وتعالى، وتأمل النصوص والقصص التي حكاها الله جل وعلا عن هؤلاء، وجد أنهم موقنون بالله سبحانه وتعالى حقا، حتى أعتى الناس كفرا ... إبليس وفرعون وأتباعه ... أنهم مؤمنون بقلوبهم مصدقون أن الله عز وجل واحد.
ولذلك قال فرعون عليه لعنة الله لما أدركه الغرق: (آمنت بالذي آمنت به بنوا إسرائيل) وبقي في نفسه شيء من الكبر أن ينطق باسم الله سبحانه وتعالى: (آمنت بالذي آمنت به بنوا إسرائيل) هل قُبل منه ذلك؟ لم يقبل منه ذلك، لأن التوبة جاءت هنا بعد الغرغرة، وبعد أن رأى الموت، ولذلك جبريل عليه السلام يقول كما في البخاري: (لقد رأيتني يا محمد وإني لآخذ من التراب وأضعه في فم فرعون خشية أن تدركه رحمة الله سبحانه وتعالى) ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن التوبة لا تُقبل إلا قبل الغرغرة، وإذا طلعت الشمس من مغربها فلا تُقبل التوبة وتُرفع حينئذ، ولذلك ما يَقَر في قلب الإنسان من المعرفة والتصديق بالله سبحانه وتعالى - وإن تلفظ به الإنسان في بعض الأحيان - لا يُقبل منه ذلك إن وُجد من شعب الكفر في قوله وفعله، فإنه يكفر بذلك وتهدم كل ما فعل.
ولذلك من نظر إلى ما يخرج به الإنسان من الملة بنصوص الشرع وجد أن الشارع يخرج الإنسان من الملة بارتكاب أمر معين، ولذلك المنافقون بل من المرتدين من يكون يرتكب أعلى الطاعات والقربات لله سبحانه وتعالى، فعبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين قد سلَّوا سيوفهم في محاربة ومجالدة أعداء الله عز وجل من الكفرة والمشركين، فارتحلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الموت في غزوة تبوك،