والمراد بالعصيان هنا الذي أشار له المصنف هو عصيان النبي عليه الصلاة والسلام في ترك التوحيد وارتكاب الشرك، وهذا من جملة المعاصي بل من أعظمها، ولذلك روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) حمله عامة العلماء على المعصية بالإشراك، والطاعة بالتوحيد ... نعم:
ما تقول فيمن عصى الرسو ل ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك، مع أنه يدعي أنه مسلم متبع إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول بأن هذا كافر من غير نظر في الأدلة
ووحدانية الله سبحانه وتعالى، والإيمان بالبعث تدل عليها الفطر السليمة، وإن تناقض الناس واختلفوا، بل أن لو أن عقلانيا لا يؤمن بالله سبحانه وتعالى، وليس لديه من الدلائل الشرعية، واختلف عنده اثنان بإمكان البعث، وآخر ينفي، لدل العقل دلالة ظاهرة على لزوم أن يؤمن بالبعث، لأنه إن مات فلا بد أن يصدُق أحدهما.
فمن قال بوجود البعث وأنه حق، واستدلالًا عقليًا، لكان هالك لأنه لم يؤمن، ولوصدق الذي قال بأنه لا إيمان بالبعث، وأنه لا وجود له، ولم يُبعث فهو ناجي.
لذلك يقول أبو العلاء المعري، وهو من كبار العقلاء، وقد ضل في جملة من مسائل الاعتقاد ... يقول:
قال الطبيبُ والمُنَجِّمُ كلاهما ... لا تُبعثُ الأمواتُ قلْتُ إليكُمَا
إنْ صحَّ قولُكما فلستُ بخاسرٍ ... أو صحَّ قولِي فالخَسارُ عليكُمَا
أي أنكما تقولون - بإلحادكم - أن الله سبحانه وتعالى لا يبعث الناس
.... قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر ...
أي أني سأبقى رمادًا ورميمًا لا أُبعث، فأنا ناج حينئذٍ، وإن صح قولي بأن البعث موجود فالخسار عليكما.
إذًا ... أنا ناج في حالة سالم في أخرى، وأنتم سالمون في موطن خاسرون في أخرى، فناسب بالعقل أن تؤمن بالحساب ... هذا من جهة العقل، فكيف بالمؤمن وهو يرى نصوص الشرع، وأوامر الله سبحانه وتعالى!!
ولذلك يجب على الإنسان أن يؤمن بأصول الإيمان، وأصول الإيمان هي: النقليات ... السمعيات ... يسميها العلماء، أوالإلهيات هي: ما دل الدليل على أنها من أصول الإيمان، واتفقت عليها سائر الشرائع، يجب على العبد أن يؤمن بها ويُسلَّم بها تسليما، ولذلك هي كانت موطن الامتحان والفتنة والاختبار.