الصفحة 96 من 105

ولذلك علَّق الشارع الحكيم في كثير من الأمور الإيمان بأمور غيبية من غير دلالة محسوسة، كالإيمان بالأمور المغيَّبة كالميزان والصراط والجنة والنار مما لا دلالة ظاهرة سوى أوامر الشرع، ولذلك العلة تكون خافية في كثير من النصوص من الكتاب والسنة، وتظهر في بعض الأحيان في بعض أوامر الشرع، ليأخذ الإنسان من العلة الظاهرة على الخافية، فيأخذ من هذه وهذه.

ولذلك أظهر الله عز وجل المعجزة والكرامة على أيدي أولياء الله سبحانه وتعالى، المعجزة على أيدي الأنبياء، والكرامة على أيدي أولياء الله سبحانه وتعالى من الصالحين وغيرهم، ليأخذوا بهذه الدلالات، ويؤمنوا بذلك، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بشيء من المعجزات، ولكنه ليس بكل أمر، جاء في بعض الأحيان ببيان المعجزات ... من أراد أن يؤمن يؤمن بواحدة، لأن هذه الواحدة لا يمكن أن تأتي إلا برجل قد صدق في سائر قوله.

ولذلك جاء النبي عليه الصلاة والسلام بمعجزات قليلة، وجاء بأوامر بكثيرة، والعلل فيها وليست بظاهرة، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالتسليم والانقياد من غير تتبُّع للعلة، ولذلك إنما ضل من ضل من المعتزلة وغيرهم والعقلانيين من المتأخرين بتتبِّعهم للعلة التي لا تُوافق أذواقهم، فردُّوا كثيرًا من نصوص الشرع باعتبار أنها لا تنطبق على العقل، فإذا قيل لهم أن الشارع الحكيم قد أظهر كثير من المعجزات والكرامات في بعض الأوامر، وأن العلل ظاهرة فيها، فهؤلاء قد حَجَبوا عن عقولهم تلك العلل الظاهرة، والحكم البالغة، وأرادوا العلة أن تكون في كل أمر.

فحيئذٍ إذا ظهرت العلَّة الظاهرة، والحجج الباهرة، والحكم البالغة، في كل أمر يأمر به الشارع إذا لم يخالف دين الله عز وجل إلا المجانين، ولكن الله سبحانه وتعالى أخفى كثيرًا من العلل في بعض الأوامر ليَرى من ينقاد ويسلِّم لدين الله عز وجل تسليما، فكان حينئذٍ هذا هو موطن الاختبار، فمن سلَّم الإيمان بنصوص الشرع لعقله ضل كما ضل كفار قريش، أومن ضل من قبلهم من الكفرة، فأرادوا في كل أمر أن تظهر الحجة والعلة بسبب هذا التشريع، أو سبب هذا الإيمان.

ولذلك من نظر إلى أحوال بني إسرائيل أو من سبقهم من الأمم الكافرة، فإنهم طلبوا من أنبيائهم أن يروا الله جهرة، أرادوا شيئًا من الثوابت في المادية، أو تنزل عليهم مائدة من السماء، أو يُسقط السماء عليهم كسفًا، أو يُميتهم ثم يحييهم ... شيء مما لم يُجِبْهُم عليه أنبياء الله سبحانه وتعالى، فكان ذلك موطن اختبار وامتحان.

ولذلك جعل الله عز وجل شيئًا من المعجزات ليأخذ بها العقلاء من هذه لما خفيَ من الحجج والحِكم البالغة، وجعل ما بقي فتنة، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى بعض التشريعات وبعض الأحكام وبعض الإيمان بالغيبيات فنتنة للذين كفروا، ليَميز الله عز وجل الخبيث من الطيب ... نعم:

إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول بأن هذا كافر من غير نظر في الأدلة أو سؤال أحد من العلماء. ولكن لغلبة الجهل وغربة العلم وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من الملحدين أشتبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت