الصفحة 98 من 105

عليه رحمة الله تعالى كررَّ كثيرا من المسائل في رسالته هذه، لما يقتضيه حال الارتجال، وهذا ما ينبغي التنبيه عليه في كثير من المصنفات التي صنفها الأئمة عليهم رحمة الله تعالى من باب المراسلة، لا من باب قصْد التصنيف ... نعم:

ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه، مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت. ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين وهلم جرا، ومن وقائع لا تعد ولا تحصى.

ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره كيف تقاتل بنى حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون , ويزكون. وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه

ولذلك المبالغة بالعمل والطاعة والإكثار منها .... إن كانت على غير حق، فإنها لا تفيد الإنسان ولا تغنيه، ولذلك وصف الله عز وجل كثيرًا من الناس أنه يشقى بالعمل على غير هداية، وقال فيه: (عاملة ناصبة) أي تلك الوجوه عاملة ومبالغة في العمل، لكنها ناصبة في نار جهنم.

وقد جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أنه مرَّ بصومعة نصراني، فناداه، فخرج إليه، فبكى عمر، فقال: ما يبكيك؟! قال: تذكرت لما نظرت إليك قول الله تعالى: (عاملة ناصبة) قال: عاملة في الدنيا، ناصبة في نار جهنم. وذلك أن ذلك النصراني قد بالغ في العمل، وانقطع عن الدنيا، فاستحق أن يكون من أهل النار، أي ينزل على رأسه في نار جهنم، هاويًا فيها، وإن بالغ في عمله.

ولذلك كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وانقطع عن الدنيا في صوامعهم، كالمتصوفة والملحدين وغلاتهم ... هؤلاء من أئمة الضلال، ولا يغلب على الإنسان العاطفة، بل يجب عليه أن تغلب عليه نصوص الشرع.

وقد رأيت في أحد البلدان رجلا قد بلغ السن به مبلغا، وهو عاكف على عبادة الله سبحانه وتعالى، وقد وضع سجادة بين يديه، يأتي إليها محبوه ليسجدوا له من دون الله سبحانه وتعالى، وتفرَّغ لذلك، حتى أنه حدثني وقال أنه منذ صغره على هذه الحال منقطع لله سبحانه وتعالى. فقلت له: أنت تعمل في هذه الدنيا، وناصب في نار جهنم والعياذ بالله. انقطع عن الدنيا ولذائذها، فاستحق الحرمان في الدنيا والآخرة.

ولذلك الزنديق الذي اطلق لنفسه العنان في الدنيا والتمتع بلذاتها، وإن كان في معصية الله عز وجل، هذا هو خير وأعقل من هذا، لأن هذا استحق الحرمان في الدنيا والآخرة، والبعد عن الله سبحانه وتعالى فيها، وذلك أن أباه كان من أولياء الله، فظُنَّ أن البركة قد انتقلت من أبيه إليه، فعُبد من دون الله سبحانه وتعالى، فطمع بالمال، وبقي على حاله كذلك حتى بلغ به الكبر، فأبى أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت