الصفحة 14 من 28

و منع يوسف جنوده من اللحاق بهم , و كانت مناسبة لألفونسو الذي تابع سيره مع الظلام إلى طليطلة , و وصل إليها مغموما حزينا كسيرا جريحا , بعد أن فقد خيرة رجاله و جنوده و قادة جيشه .

و فقد ألفونسو في الزلّاقة القسم الأعظم من جيشه , و أمر يوسف بضمّ رؤوس القتلى من النّصارى , فعمل المسلمون منها مآذن يؤذّنون عليها , و استشهد في تلك المعركة جماعة من العلماء و الفقهاء قلّما يجود الزمان بمثلهم , منهم قاضي مراكش عبد الملك المصمودي , و الفقيه النّسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي , و جمع المسلمون الأسلاب و الغنائم التي تركها النصارى وراءهم في ساحة المعركة , و آثر الأمير يوسف بها ملوك الأندلس , و قد عرّفهم أنّ هدفه الجهاد في سبيل الله , و نصرة الإسلام .

و أرسل الأمير يوسف إلى الغرب أخبار النّصر المبين , و هذا نصّ خطابه:

"أمّا بعد: أحمد الله المتكفّل بنصر أهل دينه الذي ارتضاه , و الصّلاة و السّلام على سيّدنا محمّد أفضل و أكرم خلقه , فإنّ العدوّ الطاغية لمّا قربنا من حماه و توافقنا بإزائه , بلّغناه الدّعوة , و خيّرناه بين الإسلام و الجزية و الحرب , فاختار الحرب."

فوقع الإتفاق بيننا و بينه على الملاقاة يوم الاثنين 15 رجب , و قال: الجمعة عيد المسلمين , و السّبت عيد اليهود , وفي عسكرنا منهم خلق كثير , و الأحد عيدنا نحن .

فافترقنا على ذلك , و أضمر خلاف ما شرطناه و علمناه أنّهم أهل خدع و نقض عهود , فأخذنا أهبة الحرب لهم , و جعلنا عليهم العيون ليرفعوا إلينا أحوالهم , فأتتنا الأنباء في سحر يوم الجمعة 12 رجب أنّ العدوّ قد قصد بجيوشه نحو المسلمين , يرى أنّه قد اغتنم فرصة في ذلك الحين , فنبذت إليه أبطال المسلمين , و فرسان المجاهدين , فتعشّته قبل أن يتعشّاها , و تغدته قبل أن يتغداها .

و انقضت جيوش المسلمين على جيوشهم كانقضاض العقاب على عقيرته , و وثبت عليهم وثوب الأسد على فريسته , و قصدنا برايتنا السّعيدة المنصورة في سائر المشاهد مشتهرة . و نظروا إلى جيوش لمتونة القاصدة نحو ألفنش . فلمّا أبصر النّصارى راياتنا المشتهرة المنتشرة , و نظروا إلى مراكبنا المنتظمة المظفّرة ,و أغشتهم بروق الصّفاح , و أظلّتهم سحائب الرّماح , و نزلت بحوافر خيولهم رعود الطبول بذلك الفياح ، فالتحم النّصارى بطاغيتهم الفنش , و حملوا على المسلمين حملة منكرة , فالتقاهم المرابطون بنيّات خالصة و همم عالية , فعصفت ريح الحرب , و ركبت دائم السّيوف و الرّماح بالطّعن و الضرب , و طاحت المهج , و أقبلت سيل الدّماء في هرج , و نزل من سماء الله على أولياءه النصر العزيز و الفرج..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت