الصفحة 15 من 28

و ولّى ألفنش مطعونا في إحدى ركبتيه , طعنة أفقدته إحدى ساقيه في 500 فارس من ثمانين ألف فارس و مائتي ألف راجل , قادهم الله إلى المصارع و الحتف العاجل , و تخلّص إلى جبل هنالك , و نظر النّهب و النيران في محلّته من كلّ جانب , و هو من أعلى الجبل ينظرها شذرا , و يحيد عنها صبرا , و لا يستطيع عنها دفعا ولا لها نصرا ,فأخذ يدعو بالثبور و الويل , و يرجو النّجاة في ظلام الليل ,و أمير المسلمين بحمد الله قد ثبّت في وسط المعركة مراكبه المظفّرة , تحت ظلال بنوده المنتشرة منصورا لجهاد مرفوع الأعداء , و يشكر الله تعالى على ما منحه من نيل السّؤال و المراد , فقد سرح الغارات في محلّا تهم ، تهدم بناءها , و تصطلم ذخائرها و أسبابها , و تريه رأي العين دمارها و نهبها , و ألفنش ينظر إليها نظر المغشيّ عليه , و يعضّ غيظا و أسفا على أنامل كفّيه , فتتابعت البهرجة الفرار , رؤساء الأندلس المهزومين نحو بطليوس و الفار , فتراجعوا حذرا من العار , و لم يثبت منهم غير زعيم الرّؤساء و القوّاد , أبو القاسم المعتمد بن عبّاد , فأتى أمير المسلمين و هو مهيض الجناح , مريض عنه و جراح , فهنّأه بالفتح الجليل , و تسلّل ألفنش تحت الظلام فارا , لا يهدي و لا ينام , و مات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطّريق أربعمائة , فلم يدخل طليطلة إلّا مائة فارس , و الحمد لله على ذلك كثيرا .

و كانت هذه النّعمة العظيمة و المنّة الجسيمة يوم الجمعة 12رجب 479 هـ /23 أكتوبر 1086 م العجمي" [1] ."

"و أصبح يوم الزلّاقة عند المغاربة و الأندلسيين مثل يوم القادسية و اليرموك: يوم لم يسمع بمثله من القادسية و اليرموك , فيا له من فتح , ما كان أعظمه يوم كبير ما كان أكرمه , فيوم الزلّاقة ثبتت قدم الدّين بعد زلاقها , و عادت ظلمة الحقّ إلى إشراقها" [2] .

رحم الله الأمير الرّباني , و القائد الميداني يوسف بن تاشفين رحمة واسعة .. لقد أدّب عبّاد الصليب , فأحسن التّأديب . فاللهمّ أعلي درجته في أعلى عليّين , و احشره مع النّبيّين و الشّهداء و الصّلحين .

أبواب أجدادنا منحوتة ذهبا ... و ها هياكلنا قد أصبحنا خشبا

و ختاما: أذيّل ما مضى بهذه الرّسائل:

(1) فقه التّمكين: ( ص 126 - 129 ) .

(2) فقه التّمكين: ( ص 129 - 130 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت