الصفحة 11 من 16

المحمدية) أي حكم له بما يستحقه أو حَكَم عليه مايجب عليه ماإذا لو حَكَم عليه قاضٍ شرعي بالشريعة. وقوله (إن كان يلزم عليه تحليل حرام ... فلا يجوز له قبوله) فلأن حكم الحاكم لايُحل حراما ً ولايُحرم حلالا ً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ماأسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار"متفق عليه.

وكما ترى فالشيخ ابن عتيق منع من التحاكم لهذه القوانين مطلقا ً وإن ضاع حق المسلم، وصديق حسن أجازه للمضطر.

وحَلّ هذا الإشكال يكون بتحاكم المسلمين فيما بينهم لمؤهلٍ للحكم الشرعي منهم بالتراضي. فإن تعذر التحاكم للشرع أو رفض الخَصْم، فهل يُتحاكم للقوانين الوضعية ومحاكمها وقضاتها، وماحكم المسلم إذا فعل ذلك؟، وهذا له حالان:

الأول: إذا تحاكم المسلم إليها راضيا ً بها فقد كفر، لأن الرضى بالكفر كفر.

والثاني: إذا تحاكم المسلم إليها كارها لها مضطرًا لذلك، فهل يكفر؟، وهذه المسألة لا تنطبق عليها الآيات والأحاديث والأدلة التي بيّنّاها سابقا ًلأن الذين أكفرهم الله بتحاكمهم إلى الطاغوت (والقوانين ومحاكمها وقضاتها طواغيت كما سبق بيانه) تحاكموا إلى ذلك راضين راغبين، ويدل على ذلك أنه كان بوسعهم التحاكم للشريعة فعدلوا عنها عمدًا إلى التحاكم للطاغوت، كما يدل عليه قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وماأنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ــ إلى قوله ــ وإذا قيل لهم تعالوا إلى أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدودًا ــ إلى قوله ــ فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 60 ــ65] ، ومثلها الآيات بسورة النور 47 ــ 52. فهؤلاء الذين نفى الله عنهم الإيمان (فلا وربك لايؤمنون) وأكذبهم في دعواهم الإيمان (يزعمون أنهم آمنوا) عَدَلوا عمدًا عن التحاكم للشريعة (تعالوا إلى ماأنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك) إلى التحاكم للطاغوت (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) ، ومن هنا قلت في (الحال الأول) إن من تحاكم إلى هذه القوانين راضيا ً كَفَر، أما من اضطر إلى ذلك وليس بوسعه التحاكم إلى الشرع فلا تنطبق عليه صورة سبب نزول هذه الآيات، ولهذا لا استطيع الجزم بدخوله في عموم حكمها. أما من كان بوسعه التحاكم إلى الشرع وعَدَل عن ذلك إلى التحاكم للقوانين فهو على خطر، لأن عدوله هذا علامة على رضاه بالتحاكم إلى قوانين الكفر. هذا والله تعالى أعلم.

اعلم أنه ليس تحصيل كل حق ثابت لك عن طريق الكفار هو ضرب من ضروب التحاكم إلى الطاغوت الذي يكفر صاحبه، لمجرد حصولك على حقك عن طريق الكفار محاكمهم، والدليل على ذلك، ما رواه البخاري في الأدب المفرد، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه

وسلم قال"شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحبُّ أن أنكثه وأنّ لي حمر النعم" [صحيح الأدب المفرد: 441] .

قال ابن الأثير في النهاية: (اجتمع بنو هاشم، وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية، وجعلوا طيبا في جفنة، وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فسموا المطيبين) .ا. هـ.

قلت: رغم أن هذا الحلف تتوفر فيه عناصر الحكم والتحاكم، من فض للنزاعات بين الظالم والمظلوم، وأن القائمين بهذه المهمة هم من أكابر المشركين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثنى عليه خيرًا، وما أحب أن ينقضه ولو بحمر النعم، لقيامه على معنى صحيح لا يتعارض مع الشرع، وهو إنصاف المظلوم من الظالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت