فهرس الكتاب
وبالتالي لا يجوز لأحد - إلا إذا آثر الكفر على الإيمان- أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقر التحاكم إلى الطاغوت، لأن القائمين على حلف المطيبين كانوا من الكفار المشركين، وعليه لا يجوز لأحد كذلك أن يشير إلى مسلم - في حال غياب المحكمة أو الجهة الإسلامية القوية التي تنصفه من ظالمه وترد إليه حقه - يسترد حقه من ظالمه عن طريق الكافر، فيصفه بالكفر لأنه أراد التحاكم إلى الطاغوت، كما يفعل ذلك بعض جهلة المسلمين في هذا الزمان .. !
يقول صاحب كتاب"ضوابط التكفير" [ص: 174] : (ولا يلزم من هذا أن كل من تحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية لابد أن يكون كافرًا، بل قد يضطر المسلم لتخليص حقوقه ونحو ذلك إلى التحاكم إليها مع عدم رضاه عنها، فلا يكون كافرا ً بل يكون حكمه حكم المضطر) . ا. هـ.
فليس مجرد لجوء المسلم في الضرورات إلى كافر يحميه أو يجيره أو يرد مظلمته وينصره من كافر آخر، أو لدفع صائل فاجر لا يردعه ولا يرهبه إلا ذلك،، في ظل عدم وجود سلطان وشوكة لشرع الله فليس هو أصلا من التحاكم في شيء ..
ولقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف الفضول مع أنه كان حلفا ً جاهليا ً أسّسه كفار وقد شهده النبي صلى الله عليه سلم وهو غلام وقال:"فما أحبّ أنّ لي حُمر النّعم وأنّي أنكثه."وفي رواية:"لودُعيت به في الإسلام لأجبت.".
وقد كانت صورته بأنه تجمع عشائري في الجاهلية تعاقد على إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ورد الحقوق إلى أهلها بقوتهم وشوكة تجمعهم، وكان ذلك في وقت لم يكن فيه للإسلام سلطان ولا دولة وقبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وفي جاهلية جهلاء فهو مؤسسة من مؤسسات الجاهلية ...
فمدح النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الحلف يقتضي عدم الحرج على المستضعف إذا ما لجأ إليه أو إلى مثله من الكفار الذين يقدرون على دفع الظلم عنه أو عن عرضه أو ماله، أو تحصيل بعض حقوقه بقوتهم وشوكتهم وسلطانهم، من كفار ظلمة آخرين في ظل عدم وجود سلطان للشريعة ... ولو كان في ذلك أدنى حرج، فضلًا عن الحرمة أو الكفر، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم في معرض مدحه له، فهو صلى الله عليه وسلم أتقى الأمة وأورعها، ولم يدع شرًا إلا وحذرها منه.
ومعلوم كذلك أنه ليس كل مثول أو مراجعة للكفار أو محاكمهم أو مخافرهم يعد تحاكما ً للطاغوت أو كفرًا ...
أضف إلى هذا أن كثيرا من التهم والشكايات، تحل وتدفع بمجرد المراجعة والمثول وإزالةالإشكال، وقد تحل بصلح أو نحوه من التحكيم الذي لا حرج فيه وليس من التحاكم المكفر في شيء، فقد قال تعالى عن الصلح: {والصلح خير} [النساء:128] ، وقال فيما استثناه من النجوى الجائزة بين الناس: {أو إصلاح بين الناس} [النساء:114] ، وقال في شأن القتال والنزاع بين طوائف المسلمين: {فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا .. } [الحجرات:9]
ويروى من حديث أبي هريرة وغيره من الصحابة مرفوعًا:"الصلح جائز بين المسلمين"وهو مروي عن أبي داود والحاكم والبيهقي.
وكان عمر رضي الله عنه يأمر برد الخصوم حتى يصطلحوا، ولذلك استحب الفقهاء للقاضي محاولة الصلح بين الخصوم في جميع الدعاوي التي لا يكون المطلوب فيها حقا ً من حقوق الله، إذ الدعاوي والقضايا تنقسم إلى ماكان حقا لله خالصا، أو حقا للعباد، أو حقا ًمشتركا يغلب فيه طرف، وفي ذلك تفصيل معروف من حيث جواز الصلح والتنازل في حقوق العباد، وفي عدم جواز ذلك في حقوق الله. انظر أعلام الموقعين (1/ 107 - 108) .