فهرس الكتاب
والصلح الجائز عام بين الناس، وليس خاصا ً بالزوجين بل يكون بين الشريكين والخصمين والطائفتين المختلفتين أو المقتتلتين وغير ذلك ..
قال الحافظ في الفتح عند حديث رقم (2961) : (والصلح أقسام صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة .. والصلح في الجراح كالعفو على مال والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة إما في أملاك أو في المشتركات كالشوارع .. ) أهـ.
وهذا مما وسّع الله تعالى فيه، وليس هو من التشريع الكفري بحال، ولا هو من الحكم بغير ما أنزل الله أو التحاكم إلى الطاغوت، وقد قال الفاروق رضي الله عنه: (إذا وسّع الله فأوسعوا ... ) رواه البخاري.
وقال الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ: (أمّا بالنسبة لما انتهى عند قضاة العشائر فإن كان ذلك عن طريق الصلح ولم يتضمن هذا الصلح تحليل محرم أو تحريم حلال فالصلح صحيح، وإن كان ذلك بطريق الحكم فذلك غير صحيح، لأنّ المعروف عن مشايخ العشائر الجهل وعدم العلم بالأحكام الشرعية، فالتحاكم إليهم من باب التحاكم إلى الطاغوت) أهـ. من فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن ابراهيم (12/ 292) .
فعلم من هذا أنّه ليس كل مثول بين يدي أعداء الله أو محاكمهم يعد من التحاكم المكفر.
أضف إلى هذا، أنه إذا تغيب المرء أحيانا ً عن المثول، أو فرّ لغير ضرورة أو داع ٍ فقد تتعقد أمورهوتتضاعف عقوبته، وتثبت التهمة عليه بالباطل ... خصوصًا وأن أحكامهم الغيابية عادة ما تكون أشد من الحضورية، والمسلم مطالب بدفع أعظم المفسدتين عن نفسه باحتمال أدناهما. وهذا باب عظيم ترد عليه كثير من التأويلات والإجتهادات ..
ويصلح في هذا الباب أيضا ً، الاستدلال بقول يوسف عليه السلام لمّا اتهمته امرأة العزيز بقولها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم} . [يوسف:25] .
{قال هي راودتني عن نفسي، وشهد شاهدٌ من أهلها ... } [يوسف:26] ، وفيه دفعه عن نفسه بين قوم كفار وشهادة بعضهم ودفاعهم عنه وتبرئته.
وأظهر من ذلك ما فعله عليه السلام في السجن حين قال: {وقال للذي ظن أنه ناج منهمااذكرني عند ربك} [يوسف:42] ، فلم يمنعه كفر ملك مصر في ذلك الوقت وكونه له تشريعه ودينه المخالف لدين الله، من أن يبعث إليه يعلمه أنه مظلوم قد زج به في السجن من غير ذنب، لعله يفرّج عنه ويرفع عنه الظلم ويبري ساحته من التهمة التي حُبس من أجلها ... ولا منعه ذلك أيضًا من أن يدفع عن نفسه ويسعى في إظهار براءته عند ما طلبه الملك بعد ذلك، فقال للرسول: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} [يوسف:50] فها هو يشكو مظلمته أو قل يذكرها عند الملك الكافر ليظهر براءته؛ فأين المتنطع المكفر لعوام المسلمين المستضعفين من هذا؟؟؟.
وهذا كله فعل نبيّ معصوم، والحفاظ على جناب التوحيد وإخلاصه مما بعث به الأنبياء كافة، واتفقت دعواتهم جميعا عليه كما هو معلوم في دعوة الأنبياء والمرسلين .. فما كان لنبي الله يوسف أن يخالف ذلك أو يناقضه أو يخرج عن ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولو قيد أنملة ... كيف وقد نزهه الله تعالى وأعاذه ممّا هو دون ذلك فقال: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} ، ثم قال: {إنّه من عبادنا المخلصين} [يوسف:24] .
ليس كل تعامل مع الكفار والطواغيت وسجّانيهم أو شرطتهم أو محاكمهم يلزم أن يكون من التحاكم إلى الطاغوت المناقض للتوحيد ... ولا كل مراجعة لهم أو مثول بين أيديهم يلزم أن يكون كذلك.