الصفحة 14 من 16

فمنه (التحاكم) ما قد يندرج تحت الإسنتصار، وفيه التفصيل المتقدم، ومنه ما قد يدخل في أبواب الصلح وقد علمت جوازه، ومنه ما قد يدخل في باب دفع المفاسد عن النفس، أو دفع أعلاهما باحتمال أدناهما، وأنه باب من أبواب الاجتهاد. وأن منه ما قد يكون من التحاكم إليهم؛ فيجب النظر في نوعه هل هو من التحاكم الطاغوتي المكفر، أم في الأمور الإدارية التي وسع الله فيها كما يجب النظر في حال المتخوض في ذلك مكره هو أم غير مكره، والنظر في تأويلاته ومراعاة استضعاف الأمة وعدم وجود سلطان لحكم الإسلام ..

هذا والمسلم بعد ذلك أعرف بما ينفعه أو يضره في أمثال تلك المراجعات التي لا تندرج تحت التحاكم أو الركون المحظور ... ففي الحديث الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا ً:"... احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

فالواجب عليه أن يجتهد ويُقدّر الأمور بقدرها غير باغ ولا عاد، وينظر في المصلحة ويوازن بين المفاسد، فإن قدّر أن في مراجعته أو مثوله بين أيديهم تسليط لأعداء الله على دينه، أو تحميل لنفسه من البلاء ما لا يطيقه، فلا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه ويسلمها لهم في مثل هذه الحال، وفي الفرار منجاة في كثير من الأحيان ... وكل مسلم أعرف بأحواله ونوازله، وضروراته، وهو يقدّر، المفسدة والمصلحة في المقام الذي هو فيه، فإن لكل مقام مقال، ويدفع الضرر عن نفسه ما استطاع إلى أن يجعل الله لهذه لأمة فرجا ً. هذا من وجه ومن وجه آخر فقد تضافرت أدلة الشريعة التي تلزم المسلم باختيار أهون الشرين عند إلزامه بأمرين كلاهما شر. وهذا يتكرر بكثرة في زماننا بسبب غياب دولة الإسلام، وغياب المحاكم الشرعية التي تحكم المسلمين بالإسلام. ومثل هذا لا يجوز أن يوصف بأنه راض بحكم الطاغوت لأنه اختار ما ليس في دين الله، ولضبط المسألة، فإننا نلخّص ما تقدم في النقاط التالية:

1 -لا يجوز لمسلم أن يتحاكم إلى الحاكم الكافر مع وجود الحاكم المسلم الذي يستطيع أن يرد له حقه، وينصفه من ظالمه، وعليه فالمسلم مطالب بتحكيم أهل الفضل والعلم في حال غياب القاضي المسلم، قبل اللجوء إلى الطواغيت وأحكامهم الجائرة.

2 -لا يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى الحاكم الكافر فيما يضاهي ويضاد شرع الله إلا وهو مكره والإكراه له شروط ـ كما هو معلوم ـ، ولحكم الطاغوت كاره مبغض، وغير راض به.

3 -إذا اغتصب حق المسلم ولم يجد وسيلة لإعادة حقه إلا الحاكم الكافر، له أن يحصل على حقه عن طريقه.

4 -نرى من العزيمة والأفضل أن يضحي المسلم - وبخاصة إن كان من الخواص والأعلام- بحقه إن كان محتملا ً، ولا يمتثل أمام الحاكم الكافر، وهذا أمر نستحسنه ولا نلزم به مجموع الأمة، للضرر العام المترتب على ذلك. والمسألة مرتبطة بنوع وحجم الحق المغتصب، فلا يقب شرعا ً أن يقال لمن خُطف له ولده: لا يجوز لك أن تشتكي إلى الشرطي الكافر ليسترد إليك ولدك من خاطفيه لأن هذا نوع من التحاكم إلى الطاغوت .. !

بقي أمرٌ مهم وهو تفصيل التفريق بين التحاكم إلى الكفار في قضايا الشرع، وبين التحاكم إليهم في القضايا الإداريّة، التي لا علاقة للشرع بها، وإنّما هي أمور تعارف الناس عليها واصطلحوا على ذلك، كتنظيم السّير والبناء والسّكن وإدارة الشركات والمستشفيات ودواوين الأسماء والوظائف والجُند وغير ذلك ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت