الصفحة 15 من 16

وإيضاح ذلك: أنّ النظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لامانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم. وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ماكانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كَكَتبِهِ أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك صلى الله عليه وسلم. وكاشترائه ــ أعني عمر رضي الله عنه ــ دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجنا ً في مكة المكرمة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجنا ً هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لايخالف الشرع لابأس به، كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لايخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولايخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.

وأمّا النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لايسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم: كفر بخالق السموات

والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى:21] ا. هـ. (أضواء البيان) 4/ 82 ــ 85.

(جـ) وفي تفسير قوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى:10] ، قال الشنقيطي رحمه الله(ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن مااختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده، لا إلى غيره، جاء موضحا في آيات كثيرة.

فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال تعالى: {ولايشركُ في حكمه أحدا ً} [الكهف:26] ، وفي قراءة ابن عامر من السبعة: {ولاتشرك في حكمه أحدا ً} بصيغة النهي.

وقال في الإشراك به في عبادته: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ً ولايشرك بعبادة ربه أحدا ً} [الكهف:110] ، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله. ــ إلى أن قال ــ

وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر فهى كثيرة جدًا، كقوله تعالى: {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) [النحل:100] ، وقوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام:121] ، وقوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يابني آدم ألا تعبدوا الشيطان} [يس:60] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ً ــ إلى أن قال الشنقيطي ــ ولمّا كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية. كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا ً، وأشركه مع الله. ــ إلى أن قال ــ وعلى كل حال فلا شكّ أنّ كلّ من أطاع غير الله، في تشريع مخالف لما شرعه الله، فقد أشرك به مع الله كما يدل لذلك قوله: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام:137] فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد.) أهـ (أضواء البيان) 7/ 162 ــ 173.

(د) وفي تفسير قوله تعالى {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ماتبيّن لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا مانزّل الله سنطيعكم في بعض الأمر، والله يعلم إسرارهم، فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بأنهم اتبعوا ماأسخط اللهَ وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد 25 ــ 28] ، قال الشنقيطي رحمه الله (والآية الكريمة تدل على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت