-الضلالة الأولى:
زعم بعض الناس: أن الكفر محصور في الجحود والإستحلال:
وأصل هذه الضلالة من جهة المرجئة، حيث أنهم لما قرروا أن الإيمان هو التصديق فحسب، إضطرهم ذلك إلى حصر الكفر في نقيضه، لتوفية المقابلة بين الإيمان والكفر حقها.
ولما ووجهوا بما أجمع المسلمون على اعتباره كفرًا من الأعمال - كالسجود للصنم - تخلصوا من لازم قولهم - وهو ألا يكون السجود للصنم كفرًا -؛ بجعل هذا العمل علامة على الكفر، الذي هو عندهم إنتفاض الإعتقاد الباطن وليس كفرا بالوضع الشرعي [24] .
قال ابن تيمية: (ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن إتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادى الله ورسوله ويعادى أولياء الله ويوالى أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار غاية الكرامة ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن، قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر، ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما اقر به وبخلاف ما شهد به الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع؛ على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على إنتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل والإيمان، شيء واحد وهو العلم أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو؛ هو.
وهذا القول - مع أنه أفسد - قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة.
وقد كفر السلف - كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وابى عبيد وغيرهم - من يقول بهذا القول.
وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن وإنما كفره بإستكباره وإمتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبرا.
وكذلك فرعون وقومه، قال الله تعالى فيهم: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ، وقال موسى عليه السلام لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} ، بعد قوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا * قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} ، فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: لقد