الصفحة 8 من 12

علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر، فدل على أن فرعون كان عالما بأن الله أنزل الآيات، وهو من أكبر خلق الله عنادا وبغيا، لفساد إرادته وقصده، لا لعدم علمه، قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} ، وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} .

وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} .

وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله فيهم: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} .

فهؤلاء غلطوا في أصلين:

أحدهما؛ ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقا، فإن أعمال القلوب - التى يسميها بعض الصوفية أحوالا ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك - كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب، فالأول لابد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه؛ فهو من الابرار اصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني؛ كان من المقربين السابقين، وذلك مثل حب الله ورسوله، بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل على الله وحده دون المخلوقين، والإنابة إليه مع خشيته، كما قال تعالى: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} ، ومثل الحب في الله والبغض في الله والموالاة لله والمعاداة لله.

والثاني؛ ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار؛ فإنما ذاك، لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بنى آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك، لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدى عليه ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض - كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك - فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهمن فيكونون من أكفر الناس - كإبليس وفرعون - مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق) [25] .

وهذا القول - أي حصر الكفر في إنتقاض إعتقاد القلب - مع تولده عن مذهب المرجئة في تعريف الإيمان، هو مصادم للإجماع الصريح على خلافه عند السلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت