قال الإمام اسحاق بن راهويه - أحد الأئمة الأعلام: (أجمع المسلمون؛ على أن من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز وجل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز وجل انه كافر بذلك، وان كان مقرا بكل ما انزل الله) [26] .
وقال ابن القيم: (وها هنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان، كفر عمل وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود؛ أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من اسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل؛ فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده) [27] .
-الضلالة الثانية:
"زعمهم أن الإعراض الكلي عن الأعمال الظاهرة - أو ما يعبر عنه بترك جنس العمل - ليس كفرًا مخرجًا من الملة، وربما عبروا عنه بأن الأعمال - أي بمجموعها لا بالنظر لكل فرد منها على حدة - شرط كمال في الإيمان."
وهذا من تأثير الخلل في تعريف الإيمان، فإن المرجئة لما عَرفوا الإيمان بالتصديق ولم يدخلوا الأعمال في مسماه، كان من لازم قولهم؛ أن لا يكفر المؤمن بترك جميع الأعمال الظاهرة ما دام التصديق والإعتقاد ثابتًا في قلبه، وقد إلتزموه" [28] ."
قال ابن تيمية:(وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن، يراد به شيئان، يراد به أنها لوازم له فمتى وجد الايمان الباطن وجدت، وهذا مذهب السلف وأهل السنة، ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا وقد يكون الايمان الباطن تاما كاملا، وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم.
وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه:
أحدها؛ ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الذي في القلب، تصديق بلا عمل للقلب - كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه والشوق إلى لقائه -
والثاني؛ ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة.
والثالث؛ قولهم كل من كفره الشارع فانما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف واقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأى الجهمية والمرجئة في الإيمان وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف) [29] .