الصفحة 23 من 28

* ما حكاه لنا القرآن الكريم عن سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - في حكمه على قومه بالكفر عند دعوته لهم إلى الإسلام ولم يستجيبوا له، يقول الله تعالى: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين) [1] .

* قول خليل الرحمن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لأبيه وقومه وقد كفروا بعبادتهم الأصنام: (إني أراك وقومك في ضلال مبين) [2] .

* حكم رسول الله نوح - صلى الله عليه وسلم - على قومه بالجهالة والضلال بسبب احتقارهم المؤمنين وأمرهم له بطردهم، قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون) [3]

* وقد حكم يوسف عليه والسلام على قومه بالكفر، قال تعالى على لسانه: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون) [4] .

* ونحن هنا بصدد التعليق على كلامه على أنه لا فائدة في تكفير الحكام، فلهذا الحديث موضع آخر، ولكنا نقول: إن الشيخ الألباني ـ ومعه ابن عثيمين ـ يرى عدم الحديث عن كفر الحكام الطواغيت إن كنا غير قادرين على إزالتهم، فلا نعلن تكفيرهم ولا ننطق بكلمة حق في وجوههم، ولا نعد العدة لجهادهم، ولم يتنبه الشيخ ومن نسج على منواله إلى أنه ليس الأمر الوحيد المترتب على كفرهم هو قتالهم والخروج عليهم، بل إن هناك أمورًا كثيرة يطالب بها المسلمون تجاه من يُحكم بكفره سواء كان حاكمًا أو محكومًا، ذكرناها في مسألة فضل العلم وأقسامه وما يجب منه، والمبحث الخاص برد الشبهات المثارة على الخروج على الحكام المرتدين بما يغني عن إعادتها هنا، وسنختصر هنا أهمها:

* فمما يجب على كل مسلم ومسلمة البراءة من هذا الكافر وبغضه وعداوته بسبب كفره، فإن هذه هي ملة إبراهيم التي أمرنا الله تعالى باتباعها، قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) ، وقد قال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) [5] ، ولا يقول أحد أن إبراهيم كان ممكنا مقاتلا لقومه، بل مما لا شك أن إبراهيم والذين معه حين قالوا ذلك كانوا فئة مستضعفة لا يستطيعون قتال قومهم ومع ذلك تبرأوا منهم وأظهروا لهم العداوة والبغضاء وهذا من تمام توحيدهم.

* وكذلك كانت حال نبينا - صلى الله عليه وسلم - في مكة، فقد كان ومن معه مستضعفين لا يستطيعون قتال مشركي مكة والعرب من حولهم، ومع ذلك فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصدع بالحق في وجوههم ويسفه عبادتهم لغير الله ويتوعدهم بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وهذا واضح فيما كان يقصه عليهم من آي القرآن مثل سورة (الكافرون) ، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - (أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح) [6] ، وقال البيهقي رحمه الله بعد روايته للحديث: وفي هذا الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - أوعدهم بالذبح وهو القتل في مثل تلك الحال، ثم صدق الله تعالى قوله بعد ذلك بزمان، فقطع دابرهم وكفى المسلمين شرهم. اهـ [7]

* ومما يترتب على تكفير هؤلاء الطواغيت نصح الأمة وعامة المسلمين ببيان حال هؤلاء الذين يدعون الإسلام مع كونهم ليسوا من أهله، فإن ترك عوام المسلمين من غير أن يُبَيَّنَ لهم حكمهم غش لهم ولا شك وكتمان للحق الذي أمرنا بالصدع به، وفي ذلك من الفساد ما لا يعلمه إلا الله تعالى ومن أعظمه وأجله تفويت إنكار منكر هؤلاء الطواغيت والكفر به وبهم على عامة المسلمين وهو فرض لازم لصحة الإيمان، كما قال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) ، ومن هذا الفساد ما نراه في واقعتا المعاصر من تحيز أكثر الجماهير إلى صف الحكام الطواغيت الذين يسوسونهم بحثالة قوانين البشر ويرغبون عن أحكام العلي العظيم، ويذلون رقابهم وينهبون خيراتهم، وهم مع هذا موافقون لأكثرهم، وما ذاك إلا لغياب المفاهيم والأصول الشرعية عن عقيدتهم وحياتهم ومنها مفهوم الولاء والبراء المبنبني على معرفة أحكام هؤلاء الطواغيت، وإذا قست مواقف العامة

(1) سورة الكافرون كاملة.

(2) سورة الأنعام، الآية: 74.

(3) سورة هود، الآيات: 25: 29.

(4) سورة يوسف، الآية: 37.

(5) سورة الممتحنة، الآية: 4.

(6) رواه أحمد وابن إسحاق في السيرة والطبري في التاريخ والبيهقي في دلائل النبوة من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال عنه: رواه أحمد وقد صرح ابن اسحاق بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند.

(7) دلائل النبوة للبيهقي ج2/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت