فهرس الكتاب
بمواقف أهل التوحيد والجهاد فستجد الفرق هائلا والبون شاسعا، والذي يتحمل أكبر الإثم في هذا إنما هم العلماء الذين يكتمون عن قصد أحكام هؤلاء الطواغيت ولا ينشرونها، بل ويتهمون من يعمل على نشرها وإشاعتها بالتكفير كما في كلام الألباني، ولذلك فإن الله تعالى الحكيم العليم قد بين أحكام الكفار والمنافقين وصفاتهم وميزها عن صفات المؤمنين لئلا يغتر بهم أحد فيعاملهم بما ينبغي أن يعامل به أهل الإسلام فيقع بذلك فساد عريض، ولذلك قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) [1] : ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يُظن بأهل الفجور خير. اهـ [2]
* ومن الأمور الهامة التي تترتب على معرفة أحكام الكفار أن المرتد لا تحل ذبيحته ولا يجوز للمسلم نكاح المرتدة ولا إنكاح المرتد وإن انعقد النكاح على هذا الحال فهو باطل، وإن ارتد أحد الزوجين بعد انعقاد النكاح فيجب فسخه، ولا يصح تمكين المرتد من مضاجعة امرأة مسلمة البتة، فهل هذا أمر يمكن التساهل فيه وغض الطرف عنه، وإن تهوين هذه المسائل على العامة جريمة لا تغتفر في حق من يهونها عليهم، وسيسألهم الله تعالى عنها يوم القيامة.
* ومن المسائل الهامة والتي تترتب على معرفة حكم هؤلاء الطواغيت وأعوانهم أنه يجب على المسلمين الإعداد لقتال هؤلاء الكفار عند فقد القدرة على قتالهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [3] .
فهل هذه المسائل التي ذكرناها من المسائل الهينة في دين الله تعالى بحيث يقال: ماذا ستستفيدون من تكفير الطواغيت وأنتم لا تستطيعون الخروج عليهم، أو ليس ما ذكرناه وغيره كثير من المسائل العلمية والعملية الهامة التي ينبغي القيام بها وهي دون القتال، وقد تقرر في أحكام الإسلام أن: الميسور لا يسقط بالمعسور، والواجب على من لم يستطع إزالة المنكر بيده أن ينكره بلسانه إن استطاع وبقلبه على أقل تقدير وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل، كما ورد في الحديث الصحيح المرفوع: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم
(1) سورة البقرة، الآية: 8.
(2) تفسير ابن كثير، ج1/ 74، ط: دار الفكر.
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج28/ 259.