الصفحة 5 من 28

*القول على الله بغير علم، والأصل أن لا يتكلم الإنسان في شيء من أمور الشريعة إلا بعلم وعدل، فإن هذا وإن كان مأمورا به مطلقا فهو في هذا الباب أوجب، وكما أن الإنسان لا يجوز له أن يثبت شيئا إلا بعلم، فلا يجوز له أن ينفي شيئا إلا بعلم أيضا، وقد قال الله تبارك وتعالى: (قل إنما حرمَ ربي الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تُشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [1] ، وقال تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسئولا) [2] ، وذلك أن التكفير حق محض لله تعالى لا ينبغي الإقدام عليه إلا بدليل شرعي منزل من عند الله تعالى، فلا يملك أحد الإقدام عليه إلا بإذن من الله تعالى وقد أكد علماؤنا الكرام على ما قلناه هنا.

يقول القاضي عياض رحمه الله: اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه. اهـ [3]

ويقول ابن تيمية رحمه الله: الكفر حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يُعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل تجب في الشرع معرفته. اهـ [4]

ويقول محمد بن إبراهيم ابن الوزير رحمه الله: إن التكفير سمعيّ محض لا مدخل للعقل فيه، وإن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيًا قطعيًا ولا نزاع في ذلك. اهـ [5]

وقال ابن تيمية رحمه الله: وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس كأبي إسحاق الإسفراييني ومن اتبعه يقولون: لا نكفر إلا من يكفرنا، فإن الكفر ليس حقا لهم بل هو حق لله، وليس للإنسان أن يكذب على من يكذب عليه ولا يفعل الفاحشة بأهل من فعل الفاحشة بأهله، بل ولو استكرهه رجل على اللواطة لم يكن له أن يستكرهه على ذلك، ولو قتله بتجريع خمر أو تلوط به لم يجز قتله بمثل ذلك لأن هذا حرام لحق الله تعالى، ولو سب النصارى نبينا لم يكن لنا أن نسب المسيح، والرافضة إذا كفروا أبا بكر وعمر فليس لنا أن

(1) سورة الأعراف، الآية: 33.

(2) سورة الإسراء، الآية: 36.

(3) ج2/ 282:

(4) راجع درء تعارض العقل والنقل ج1/ 242.

(5) باختصار من العواصم والقواصم ج4/ 178، 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت