قراءات في"كتاب الإيمان"لشيخ الإسلام أحمد ابن تيميّة (1)
بقلم الشيخ؛ محمّد القرشي
إنّ الحمد لله نحمده، ونصلّي ونسّلم على خير خلقه وآله وصحبه.
أمّا بعد:
فهذه سلسلة جديدة من سلسلة التوحيد الخالص، اتّجهت فيها إلى كتاب عظيم من كتب شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة، وهو كتاب الإيمان [[1] ]، وسمّيتها «قراءات في كتاب الإيمان» ، سائلًا المولى عزّ وجلّ أن ينفع بها من كتبها وطبعها وقرأها ... آمين.
قال الإمام الشيخ أحمد بن تيميّة رحمه الله رحمة واسعة: (إعلم أنّ «الإيمان والإسلام» يجتمع فيهما الدين كلّه، وقد كثر كلام الناس في «حقيقة الإيمان والإسلام» ونزاعهم واضطرابهم، وقد صنّفت في ذلك مجلّدات؛ والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامّة الطوائف) .
قال مقيّده عفا الله عنه:
والظاهر من كلام شيخ الإسلام رحمه الله، أنّ الأمّة المحمّدية كانت كلّها تدين الدين الحقّ، وتنهج النهج السليم، حتّى ظهرت فرقة الخوارج، تلك الفرقة المارقة التي خرجت عن الأمّة بفكر مبتدع جديد، يبيح لها دماء أهل الإسلام، وأموالهم وأعراضهم، ويتركون أهل الأوثان في أمان وسلام. وهذه نقطة مهمّة وفيصل بين الخوارج والبغاة الذين يخرجون على الخليفة أو السلطان الممكّن دونما عذرٍ شرعيّ. فقد ظهر في هذه الأيّام من يقول بغير علم أنّ كلّ من دعا إلى الخروج على السلطان فهو خارجيّ، وهذا خطأ، فإنّ الخوارج كان سبب خروجهم هو دين جديد أدخلوه على الإسلام، يبيح لهم تكفير المخالف واستباحة دمه وغير ذلك من البدع الضالّة، فمن اعتقد هذه الاعتقادات خرج بالسيف أو لم يخرج كان من الخوارج، ومن لم يحمل مثل هذه الأفكار الباطلة الضالّة وخرج بالفعل، حمل السلاح ضد السلطان المسلم لشيء في نفسه أو لظلم رآه من السلطان كما فعل بعض السلف، كخروج الصحابيّ الجليل عبدالله بن الزبير أو خروج الصحابيّ الجليل ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي، وكخروج القرّاء وفيهم الشعبيّ وسعيد بن جبير وغيرهم من الأئمّة مع عبدالرحمن بن الأشعث. فهؤلاء لم يصفهم أحد بأنّهم خوارج لمجرّد خروجهم على الإمام الممكّن، فتنبّه لهذا فإنّه كنز ثمين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ونحن نذكر ما يُستفاد من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم مع ما يستفاد من كلام الله تعالى، فَيَصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإنّ هذا هو المقصود. فلا نذكر كلام الناس ابتداءً؛ بل نذكر من ذلك - في ضمن ما يستفاد من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - ما يبيّن أنّ ردّ موارد النزاع إلى الله سبحانه وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم خيرٌ وأحسن تأويلًا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة) .
قال مقيّده:
فقد أبان شيخ الإسلام رحمه الله منهج أهل السنّة في الاستدلال متّبعًا طريقة القرآن الحكيم والسنّة المطهّرة. فعلى طلاّب الهدى، بادئ ذي بِدْء أن يبدؤوا بطلب العلم الصحيح من الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والسنّة الصحيحة الموضحة الشارحة والمبيّنة والمخصّصة والمقيّدة لكتاب الله سبحانه.
فنحن اليوم بأمس حاجة إلى طرق القلوب الغافلة إلى هذه الحقيقة الكبرى، المنقذة من الضلال، من أين نبدأ؟! وكيف نستدلّ؟!
إذ دعوى الانتساب إلى الكتاب والسنّة، دعوى عريضة، ولكنّ الذي تُصدِّق دعواه عمله، ويصدّق قوله فعله، هو ذاك الذي ينتصب تلميذًا متواضعًا بين يدي الكتاب والسنّة فينهل منهما، ويجعلهما الإمامان القائدان له ... لا أن يقعّد من عند نفسه قواعد يجعلها منهاجًا له، ثمّ يستدلّ لها من الكتاب والسنّة، فإنّه عند ذلك لا ينتصر لكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل ينتصر لقواعده العقلية وهواه الذي لن يقوده إلى خير قط.
وأقرب مثالٍ على ذلك الذي أثبتناه، هو ما نحن وشيخ الإسلام بصدد الحديث عنه وهي مسألة الإيمان، وإلى كم فرقة خرج الناس فيه عن المفهوم الصحيح. وكلّهم يزعم الاستدلال بالكتاب والسنة وهم أبعد ما يكونوا عن ذلك.
(1) كتاب الإيمان هو الجزء السابع من مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام، جمع الشيخ عبدالرحمن بن قاسم.