الصفحة 9 من 16

يدخل في ذلك الذين يستهزئون بالمصلين، أذكر أني أمرت أحدهم بالصلاة، فقال: تنفعك صلاتك -نعوذ بالله-؛ يعني استهزأ بالمصلين واستهزأ بالصلاة، وقال: كيف تنفعك صلاتك؟ ما نفعت صلاتك، خليها تنفعك لا شك أن هذا يعتبر استهزاء بهذه العبادة التي فرضها الله وجعلها ركنا من أركان الإسلام، وكذلك أيضا الذين إذا رأوا الذين يذهبون إلى المساجد سخروا منهم، لا شك أن هذا أيضا من الاستهزاء بالشرع.

وهكذا أيضا الذين يسخرون من المتصدقين الذين يتصدقون بما رزقهم الله تعالى تكون عاقبتهم أنهم يدخلون النار -والعياذ بالله- على هذا، ذكر في تفسير قول الله تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} [سورة الصافات، الآيات: 50، 51، 52] قرأ هذا إنه لمن المصدِّقين أنه كان يسخر منه لما رآه يتصدق بأمواله التي أعطاه الله، والتي تفضل بها عليه، فلما كان في الأخرة دخل ذلك المستهزئ الذي يقول: أئنك لمن المصدِقين أو لمن المصدِّقين دخل النار، فيقول:

{إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ *يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ *أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ} [سورة الصافات، الآيات: 51، 52، 53] ثم {قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [سورة الصافات، الآيتان: 54، 55] ؛ فأطلع في النار فعرفه، وقال: هذا هو صديقي الذي يسخر مني، فيقول: {أئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} [سورة الصافات، الآية: 52] أو لمن المصدِّقين.

كذلك أيضا في سبب نزول قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة التوبة، الآية: 79] قالوا: إن أولاء بعضا من أولئك المستهزئين رأوا إنسانا تصدق بصدقة بمال كثير، فقالوا: هذا مرائي؛ فهذا معنى {يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِين} .

وجاء رجل بصدقة قليلة، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا؛ فأنزل الله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} هذا جزاء الذين يسخرون من المؤمنين ويلمزونهم ويعيبونهم بما هو حق أن يمدحوا به، وقد توعد الله تعالى على ذلك بالويل في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [سورة الهمزة، الآية: 1] ؛ يعني أنه يستحق الويل. همزة؛ يعني يهمز ويلمز، ومثل ذلك قوله تعالى:

{هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [سورة القلم، الآية: 11] ؛ يعني أنه يهمز؛ يعني يعيب ويخذل ويعيب ويسخر، وهذا من عيب هؤلاء، وقد ذكر في تفسير قول الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [سورة التوبة، الآية: 65] أن بعضا من المنافقين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء؛ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات، فجاء رجل منهم فقال: إنما كنا نتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- يرد عليه، يقول: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [سورة التوبة، الآيتان: 65، 66] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت