وكذلك أيضا يقول تعالى: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} [سورة المطففين، الآية: 32] يضللون المؤمنين ... {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} [سورة المطففين، الآية: 32] ؛ أي تائهون ضائعون، لا حظ لهم من الدنيا، ولا حظ لهم من الحياة التي نحن فيها؛ إنهم ضالون، قال الله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [سورة المطففين، الآية: 34] ؛ يعني في يوم القيامة يرفع الله تعالى المؤمنين، ويضحكون منهم، ويقولون: هؤلاء هم الأخسرون أعمالا {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [سورة الكهف، الآية: 104] هؤلاء المتمسخرون ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم على خير، وما علموا أن أعمالهم وسخرياتهم صارت وبالا عليهم؛ حيث إنهم ضحكوا من عباد الله تعالى، فجزاهم الله بأن كانوا سخرية للمؤمنين، يقولون: هذا جزاء من سخر بالله تعالى وبآياته.
وكذلك ذكر الله تعالى توبيخ أهل النار، الذين يدخلون النار، ويقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [سورة المؤمنون، الآيتان: 106، 107] يقول الله لهم: {اخْسَئُوا} ؛ يعني رد عليهم. {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي} [سورة المؤمنون، الآيتان: 108، 109] ؛ يعني المؤمنين حقا. {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [سورة المؤمنون، الآيتان: 109، 110] هكذا أخبر أن المؤمنين الذين {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [سورة المؤمنون، الآية: 109] أن أولئك الضالين يسخرون منهم، ويستهزئون بهم، ويضحكون من أفعالهم {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [سورة المؤمنون، الآية: 110] .
هذا الضحك أورثهم أن الله تعالى يقول لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} لما كانوا يستهزئون بعباد الله الصالحين، وقد ذكر الله تعالى أن أهل النار يسخرون من أهل الجنة ويفقدونهم، قال الله تعالى عن أهل النار: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ} [سورة ص، الآية: 62] ؛ يعني أين أولئك الذين كنا نعدهم من الأشرار، ونعدهم من الخاسرين؛ يعنون بذلك أهل الخير {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} [سورة ص، الآية: 63] كنا نسخر منهم ونعدهم من الأشرار، ما لنا لا نراهم معنا في النار؟ ذلك لأنهم رفعهم الله تعالى، وثبتهم وأثابهم؛ فدل على أن هذا الاستهزاء وهذه السخرية من القوادح في العقيدة، وقد تصل إلى حد الكفر، الذين يسخرون بآيات الله، أو يسخرون بكلامه، أو يسخرون بعبادته، أو بعباده الصالحين، أو نحو ذلك لا شك أنهم يستحقون هذا الوعيد، أن الله يقول لهم:
{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ إ * ِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [سورة المؤمنون، الآيات: 108، 109، 110] .