فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 177

ولا يتصور-هذا التارك-تاركًا مجردًا من غير تبديل إلا في حالة يُعفى عنه فيها-كأن يكون حديث عهد بإسلام، أو: سكن ببادية بعيدة، أو: نحو ذلك-، أو: أن يكون لا عمل له، ولا حتى في نفسه، لأنه يمتنع أن يترك حكم الله دون الدخول في غيره وهو حي يسعى.

والذي نحن فيه هاهنا: حاكم تارك لحكم الله داخل في غيره، يبتغي الحكم عند أرباب الجاهلية، وقد انعقدت إرادته، وتواطأت سلطته، تصريحًا وتنفيذًا على التحاكم إلى طواغيت الحكم، وليس وراء ترك حكم الله سوى التحاكم إلى الطاغوت، وابتغاء حكم الجاهلية، كما قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [1]

إلى قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}

فمثل هذا: لم يترك الحكم في واقعة عابرة، أو: أكثر، فيدع إقامة الحد على رجل لقرابة، أو: يتجاوز عن مجازاة امرأة لشهوة، أو: يتغاضى عن مخالفة لرشوة، مع كون الأصل عنده الحكم بما أنزل الله تقريرًا وتنفيذًا .. ولكنه ترك حكم الله جملة وأقام مكانه شرائع البشر، وهو لو أقام شرائع الله المنسوخة-كالتوراة والإنجيل-لكفر، فكيف إذا أقام نفايات عقول المخلوقين وزبالات أفكارهم؟

فأنى لهذا من نصيب في قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، إذا ما فسرت بالكفر الأصغر، أو بـ (كفر دون كفر) ، والآية أصلًا: هي في التارك المحض، وهذا قد بدل وغير، وترك حكم الله ودخل في سواه؟

(1) سورة النساء، رقم الآية: (60 - 61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت