فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يتشبث قوم بالآية الرابعة والأربعون من سورة المائدة: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، مستمسكا بما ورد عن ابن عباس فيها من قوله: كفر دون كفر .. وقد تقدم أن الآية في غير موضع النزاع، إذ أنها تتحدث عن التارك المجرد، دون تبديل ولا تشريع، وفوق ذلك نسوق هنا ما بين وجه ما قاله ابن عباس في تفسيرها، وأنه بعيد كل البعد عن مدلول من أرادوا الاستدلال بها على إسلام الحاكم المستبدل.
قال أحمد شاكر معلقا على قول ابن عباس كفر دون كفر: صححه الحاكم ولفظه: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون كفر دون كفر ووافقه الذهبي على تصحيحه. وهذه الآثار-عن ابن عباس وغيره-مما يلعب بها المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم من الجرآء على الدين يجعلونها عذرا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضربت على بلاد الإسلام.
وهناك أثر عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه في ما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة عمدا إلى الهوى أو جهلا بالحكم .. والخوارج من مذهبهم أن مركب الكبيرة كافر، فهم يجادلون، يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء أمراء، ليكون ذلك عذرا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف.
وهذان الأثران رواهما الطبري 12،26،12،25، وكتب عليهما أخي السيد/ محمود محمد شاكر تعليقا نفيسا جدا قويا صريحا، فرأيت أن أثبت هنا نص أولى روايتي الطبري، ثم تعليق أخي على الروايتين .. فروى الطبري: 1025 عن عمران بن حصين قال: أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس فقالوا: يا أبا مجلز أرأيت قول الله: ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون أحق هو؟ قال: نعم. فقالوا: يا أبا مجلز أيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون: فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا انهم اصابوا ذنبا، فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق! قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم ترون هذا ولا تخرجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك أو نحوا من هذا .. ثم روى الطبري:12،26 نحو معناه، وإسناده صحيحان.