فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وادعاء المحتجين لذلك بان أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا ولعلل وأسباب انقضت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها. فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز والنقر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس؟! ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه أي السلطان إما أن يكون حكم بها وهو جاهل فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة والمغفرة، وإما أن يكون حكم بها متأولا يستمد تأويله من الغقرار بنص الكتاب وسنة رسول الله .. وإما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر جاحدا لحكم من أحكام الشريعة، أو مؤثرا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الاسلام .. فذلك لم يكن قط. فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه، فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها، وصرفها إلى غير معناها، رغبة في نصرة سلطان أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله: أن يستتاب.
فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام.
فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين وكتبه محمود محمد شاكر [1] .
قال الشيخ عمر بن أحمد بن عبد الرحمن-حفظه الله-: فالحاكم المستبدل لا يستوي بحال مع الحاكم المسلم الذي يحكم بشرع الله، ويعتقد أنه-لا غيره-هو الواجب تطبيقه، وليس عنده تشريع وضعي يرد الأمور والوقائع إليه، ثم هو بعد ذلك.
ترك الحكم بما أنزل الله في واقعة عصيانا، ولنضرب بذلك مثلا يوضح الأمر: لو أن حاكما يحكم بكتاب الله، سرق ابنه فلم يقطع يده محاباة له-وهذه صورة من صور ترك الحكم بما أنزل الله-فهذه معصية طالما أنه لم يجحد حكم الله، ولم يفضل غيره عليه، ولم يقنن تشريعا جديدا لعقوبة السارق عموما غير ما شرعه الله، ويجعل مرد أمره في كل قضايا السرقة هو تشريعه، فهذا هو الاستبدال، وهو كفر بواح .. فهذان صنفان نتكلم عنهما في الصفحات التالية بإذن الله .. أما من ترك حكم الله جحودا وإنكارا فأمره أوضح من أن يوضح.
الثاني: التارك لحكم الله جزئيا
(1) عمدة التفاسير: 4/ 155 - 158.