فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فهو الذي لا مرجعية له غير تشريع الله، وإنما يترك الحكم في مسألة أو أكثر لقرابة أو شهرة أو هوى، ويبقى تركه هذا محض عمل سلبي تجاه ما يجب عليه من غير تبديل ولا تعديل ولا تقنين لأي حكم مخالف لما تركه، وفي مثل هذا وردت النصوص: كفر دون كفر، كفر عملي أصغر، وليس بالكفر الذي تذهبون إليه، ونحوها.
فإن هو بدل ولو في حكم واحد، مع كون الأصل عنده حكم الله، ومنح نفسه خصيصة هي من أخص خصائص الإلاهية، ولأنه-بتبديله هذا-دلل على عدم رضاه بحكم الله، وأنه لا يسلم بصحته وأحقيته.
وكذا إن استحل ترك حكم الله ولو في واقعة، أو جحد حكم الله ولو في مسألة.
أورد الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه باب {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} حديثا في سبب نزول هذه الآية، فقال عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شريج من الحرة فقال النبي: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاريك يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجهه، ثم قال اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك.
واستوعى النبي للزبير حقه في صريح الحكم، حين أحفظه الأنصاري وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات في ذلك فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. [1]
وقد أورد الإمام ابن كثير-في تفسير الآية نفسها-طريقا أخرى فقال:
قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره: حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة، حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن تذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي، فقضى لي، فقال إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي، فقضى لي، فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله، فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له، قد اختصمنا إلى النبي، فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي، فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب
(1) فتح الباري: 8/ 103.