فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذا كله إذا كان إشراكهم بالله على سبيل التسوية فكيف إذا قدموا على الله غيره، وفضلوا على شريعته شريعة من سواه، وقد قال الله تعالى-حاكيا إقرار المشركين على أنفسهم-: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [1] ، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [2] ؟
الوجه الثاني: تحليل ما حرم الله وتحريم ما احل، وهذا وجه في التكفير لا ينكره إلا جاهل أو مكابر.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . [3]
قال ابن كثير-رحمه الله-:روى الإمام احمد، والترمذي، وابن جرير-من طرق-عن عدي ابن حاتم-رضي الله عنه-: أنه لما بلغه دعوة رسول الله فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله، على اخته وأعطاها فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله، فقدم عدي إلى المدينة، وكان رئيسا في قومه طيء، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومهن فدخل على رسول الله، وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال واحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم [4] .
وقال ابن كثير: وهكذا قال حذيقة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وغيرهما-في تفسير {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} : إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وقال السدي: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو
(1) سورة الشعراء، رقم الآية: (97 - 98) .
(2) سورة الأنعام، رقم الآية: (1) .
(3) سورة التوبة، رقم الآية: (31) .
(4) تفسير القرآن العظيم:2/ 545،544.