فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 177

بأعيانهم والاطلاع على ما في القلوب ليس من شأن البشر، فصار المتعين حمل التقديم-في كلامه-على التقديم في العمل لا في القلب.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:(وبيان هذا: أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق، ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال: اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة. وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرم الله، ثم يمتنع عن التزام التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرا من قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه.

ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاده حكمة الامر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو اتباعا لغرض النفس، وحقيقة كفر هذا لانه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق به المؤمنون، لكنه يبغض ذلك، ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول أنا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر منه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام).

وألخص هذا الوجه في نقاط:

-استحلال الحرام كفر، وكذا تحريم الحلال، وإن لم يلتزم به.

-حظر المباح على الناس، وإباحة المحظور لهم كفر مغلظ، لأنه يقتضي التشريع من دون الله، ويتعدى الجرم فيه إلى غير الفاعل، بل إلى العموم من الأمة.

-التغرير بالدهماء وحملهم على إطاعة السلطة فيما تحل وتحرم من دون الله: تأله على الله، ودفع بالمسلمين إلى اتخاذ الحكام أربابا من الله، كذلك سماهم الله أربابا-كما في آية التوبة-: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} .. وما وصف الأحبار والرهبان بهذا إلا لما أعطوه أنفسهم من حق التشريع بالتحليل والتحريم، وهو متضمن وضم التابعين بالشرك لموافقتهم إياه، فكانوا متخذيهم بذلك أربابا، ولا جدال في أن اتخاذ غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت