فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 177

وقد قال الله تعالى-في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحرم-: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} ، والمراد: (أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيحرمونه بذلك، وقال تعالى في آيةٍ أُخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [1] ... ) .

(وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدًا وتقشفًا، وبعضهم حرم ذلك عن نفسه، إما بيمين حلَف بها، أو: بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم امتنع منه من غير يمين، ولا تحريم، فسمي الجميع تحريمًا، حيث قصد الامتناع منه إضرارًا بالنفس، وكفًا لها عن شهواتها) .

ويقال في الأمثال: (فلان لا يحلل ولا يحرم) ، إذا كان لا يمتنع من فعل الحرام، ولا يقف عند ما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، فيجعلون من فعل الحرام-ولا يتحاشى منه-محللًا، وإن كان لا يعتقد حله.

يقول شيخ شيوخنا العلامة الشنقيطي-رحمه الله-في تفسير قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، إنها: (فتوى سماوية من الخالق-جل وعلا-صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان، المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله) .

وقال في موضع آخر: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا، يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه، مخالفة لما شرعه الله-جل وعلا-على ألسنة رسله، أن لا يشك في كفرهم وشركهم، إلا من طمس الله بصيرته، وأعماهم من نور الوحي مثله) [2] .

ثم يقول: (وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض) -.

(1) -قال عكرمة وغيره: (سبب نزول هذه الآية: أن عثمان بن مظعون، وعليًا، وجماعة آخرين تبتلوا، فجلسوا في بيوتهم، واعتزلوا النساء، وحرموا طيبات المطعم والملبس وهموا بالاختصاء، فنزلت هذه الآية ناهية عن ذلك) . انظر: (الدر المنثور) (2/ 30) ، وكتاب: (الإفصاح عن أحاديث النكاح) (ص:15) .

(2) -انظر: (أضواء البيان) (4/ 83) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت