فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 177

وأيضًا حديث التعوذ من جب الحزن وفيه (وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء الجورة) ومن أعظم ما يخشى على من دخل على الملوك الظلمة أن يصدقهم بكذبهم ويعينهم على ظلمهم ولو بالسكوت عن الإنكار عليهم بل ربما حسن لهم بعض أفعالهم القبيحة تقربًا إليهم ليحسن موقفه عندهم ويساعدوه على غرضه ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وهو واردٌ عليَّ الحوض) [1]

وقد كان كثيرٌ من السلف ينهون عن الدخول على الملوك لمن أراد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وممن نهى عن ذلك عمر ابن عبد العزيز وابن المبارك والثوري وقال ابن المبارك: (ليس الآمر الناهي عندنا من دخل عليهم فأمرهم ونهاهم إنما الآمر الناهي من اعتزلهم) وسبب هذا ما يخشى من فتنة الدخول عليهم فإن النفس قد تخيل للإنسان إذا كان بعيدًا عنهم أنه يأمرهم وينهاهم ويغلظ عليهم فإذا شاهدهم قريبًا مالت النفس إليهم لأن محبة الشرف كامنةٌ في النفس له ولذلك يداهنهم ويلاطفهم وربما مال إليهم وأحبهم - وعلق قصيدة في مدحهم كما فعل شقرة مع الملك حسين ولما علق عليه بعض الإخوان أجاب بأنه يحبه- حبك إياه سيوردك المكاره -ولا سيما إن لاطفوه وأكرموه وقبل ذلك منهم وقد جرى ذلك لعبدالله بن طاووس مع بعض الأمراء بحضرة أبيه طاووس فوبخه طاووس على فعله ذلك والأمثلة في هذا كثيرة جدًا نكتفي بما كتبه سفيان الثوري إلى عباد بن عباد: ( ... وإياك والأمراء أن تدنوَّ منهم وتخالطهم في شيءٍ من الأشياء وإياك أن تخدع فيقال لك: تشفع وتدرأ عن مظلوم أو تردُّ مظلمةً فإن ذلك خديعة إبليس وإنما اتخذها فجار القراء سلمًا إلى أن قال: وإياك وحب الرئاسة، فإن الرجل تكون الرئاسة أحب إليه من الذهب والفضة وهو بابٌ غامض، لا يبصره إلا العلماء السماسرة فتفقد نفسك، واعمل بنيةٍ، واعلم أنه قد دنا من الناس أمرٌ يشتهي الرجل أن يموت والسلام) [2] .

(1) حديث صحيح رواه أحمد {4/ 243} والترمذي {2259} والنسائي {7/ 160 161} وابن حبان {1/ 517} وصححه الأرناؤوط

(2) انظر {تلبيس إبليس ص 121} وما بعدها وهو نفيس في هذا الموضوع وجامع بيان العلم {1/ 185 وما بعدها} وشرح حديث ما ذئبان جائعان ص 53 وما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت