وأخيرًا لا أنسى أن أقول لأخي القارئ: (لا يحملك احتقار مؤلفه على التعسف، ولا الحظ النفساني على أن يكون لك عن الحق تخلف فإن عثرت منه على هفوة أو هفوات. أو: صدرت فيه عني كبوة أو: كبوات فما أنا المتحاشي عن الخلل ولا بالمعصوم عن الزلل، ولا هو بأول قارورة كسرت، ولا شبهة مدفوعة زبرت. ومن تفرد في سلوك السبيل، لا يأمن من أن يناله أمر(وبيل) .
ومن توحد بالذهاب في الشعاب والقفار، فلا يبعد أن تلقاه الأهوال والأخطار. وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك، ومدفوع إلى منهج مع خطر الخطأ مسلوك. ولا يسلم من الخطأ، إلا من جُعِل التوفيق دليله في مفترقات السبل، وهم الأنبياء والرسل. على أني علقته باستعجال في مدة الحمل والفصال، والخواطر كسيرة، وعين الفؤاد غير قريرة، والقرائح قريحة، والجوارح جريحة، من جنايات الأيام والآثام، تأديبًا من الله عن الركون إلى من سواه، واللياذ [1] بمن لا تؤمن غلبة هواه فرحم الله امرأً قهر هواه، وأطاع الإنصاف وقواه، ولم يعتمد العنت ولا قصد من إذا رأى حسنًا ستره وعيبًا أظهره ونشره، وليتأمله بعين الإنصاف، لا بعين الحسد والانحراف. فمن طلب عيبًا وجدّ وجد، ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضا والإنصاف فقد فقدَ، والكمال محال لغير ذي الجلال) [2] .
هذا ومن ظن أنه سيرضي الناس كلهم فهو مجنون، ومن ظن أنه لا يتكلم في عرضه فهو مجنون، ومن ظن أنه يسلم من ألسنة المبتدعة، وألسنة محامي الحكام، أو: يريد ذلك فهو مجنون:
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه
ومن ذا الذي ما ساء قط * ومن له الحسنى فقط
وإرضاء الناس كلهم-كما يعلم الجميع-غاية لا تدرك، وأن: (مَنْ أَرضى الناس بسخط الله وكَلَه الله إلى الناس) . كما قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصخبه وسلم- [3] . (والله ورسوله أحق أن يرضوه) .
(1) -ما هو الفرق بين العياذ واللياذ؟ الفرق بينهما أن العياذ يكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير. كما بينت ذلك موسعًا في شرحي لكتاب التوحيد تحت عنوان: (القول السديد في حل ألفاظ كتاب التوحيد) الشريط رقم: (21) .
(2) -من خطبة: (فيض القدير شرح الجامع الصغير) (1/ 10) . للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي.
(3) -رواه الترمذي والقضاعي وابن بشران وغيرهم، وقد تكلم الألباني (رحمه الله) . على الحديث وطرقه في تخريج أحاديث (شرح العقيدة الطحاوية) . ثم في (الصحيحة) . (2311) . وبين أنه لا يضره وقف من أوقفه وأنه صححه ابن حبان. كما في (صفة الصلاة) . (ص:44) . ط الأولى.