الصفحة 77 من 506

يوضح ما ذكرنا أن العلماء من كل مذهب يذكرون في كتب الفقه باب حكم المرتد وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه وأول شيء يبدؤون به من أنواع الكفر الشرك، يقولون من أشرك بالله كفر لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر، ولم يقولوا إن مثله لا يجهله كما قالوا فيما دونه) [1] .

وقال ابن قدامة-رحمه الله تعالى-: (ولا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها-يعني الصلاة- جاحدًا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو: بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر، وأما الجاحد لها ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها وهي: الزكاة والصيام والحج، لأنها مبادئ الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها والإجماع منعقد عليها فلا يجحدها إلا معاند للإسلام، يمتنع من التزام الأحكام غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولا إجماع الأمة .. وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول الشبهة ويستحله بعد ذلك) [2] .

وقال ابن حزم-رحمه الله تعالى-: (ولو أن امرأً بدل القرآن مخطئًا جاهلًا، أو: صلى لغير القبلة كذلك، ما قدح ذلك في دينه عند أحد من أهل الإسلام حتى تقوم عليه الحجة بذلك) [3] .

سئل فضيلة شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز-رحمه الله تعالى-عن حكم العذر بالجهل فقال: (الأمور قسمان:

1 -قسم يعذر فيه بالجهل، فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين وأتى الشرك بالله وعبد غير الله فإنه لا يعذر، لأنه مقصر لم يسأل، ولم يتبصر في دينه، فيكون غير معذور في عبادته غير الله من أموات، أو: أشجار، أو: أحجار، أو: أصنام، لإعراضه وغفلته عن دينه كما قال الله سبحانه: { ... وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} [4] ولأن النبي-

(1) -انظر: (فتاوى الأئمة النجدية) (3/ 183) ، و (الدرر السنية) (10/ 391) .

(2) -انظر: (المغني) (1/ 131/132) .

(3) -انظر: (الإحكام في أصول الأحكام) (1/ 131) ، و (مجموع الفتاوى) (11/ 407) .

(4) -سورة الأحقاف، رقم الآية: (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت