فهرس الكتاب
أليس موقف (أبو زهرة) هذا هو سبيل أهل الأهواء-كالمعتزلة وغيرهم-الذين قالوا بالتحسين والتقبيح؛ مما رده عليهم أهل السنة؟!
والشيخ يزعم أنه منهم؛ فما باله خالفهم، وسلك سبيل المعتزلة في تحكيم العقل، وردهم للأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لأهوائهم؛ إما أصلًا؛ وإما تأويلًا إذا لم يستطيعوا رده من أصله؟! وهذا عين ما فعله الشيخ؛ فإنه ردَّ هذا الحديث لظنه أنه حديث غريب فرد-كما رأيت-وتأول أحاديث الزيارة بقوله: (ولعل نهي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عن الاستغفار(لأمه) ؛ لأن الاستغفار لا موضع له، إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبي مبعوث)! ونحن نقول له-كما تعلمنا من بعض السلف-: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! فإن أحاديث الزيارة تدل دلالة قاطعة على أن بكاءه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إنما كان شفقة عليها من النار، وهذا صريح في بعض طرق حديث بريدة-وهو مخرج في: (أحكام الجنائز) (ص:187/ 188) [1] .
قال المحدث الألباني-رحمه الله تعالى-: وهو حديث صحيح بمجموع طريقيه، وله أسانيد أخرى أحدها صحيحة، وصححه ابن حبان، والحاكم والذهبي-ولذلك علق الإمام النووي على حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-منها بقوله في: (شرح مسلم) : (فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار) .
(1) -وهذا لفظه: (عن بريدة-رضي الله عنه-قال:"كنا مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-(في سفر، وفي رواية: في غزوة الفتح) فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، ففداه بالأب والأم، يقول: يا رسول الله مالك؟ قال: إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، (واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي) ، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، ولتزدكم زيارتها خيرًا".
قال المحدث الألباني في: (أحكام الجنائز وبدعها) (ص:188) : أخرجه أحمد"5/ 355/357/ 359"، وابن أبي شيبة"4/ 139"والرواية الأخرى لهما وإسنادها عند ابن أبي شيبة صحيح، والحاكم"1/ 376"، وكذا ابن حبان"791"، والبيهقي"4/ 76"والزيادة الأولى لها، والرواية فيها لمن سبق ذكره، والزيادة الأخرى للحاكم وقال:"صحيح على شرط الشيخين"، (ووافقه الذهبي!!) ، وهو كما قالا. ورواه الترمذي مختصرًا وصححه، وروى مسلم وغيره منه الأذان بالزيارة فقط ... ).