فهرس الكتاب
وفي الباب أحاديث أخرى خرجها الهيثمي في: (مجمع الزوائد) (1/ 116/119) ؛ فليراجعها من شاء، وهي بمجموعها تدل دلالة قاطعة على أن المشركين في الجاهلية من أهل النار، فهم ليسوا من أهل الفترة، فسقط استدلال (أبو زهرة) بالآية جملة وتفصيلًا. وأما قوله في حديث أنس المتقدم وهو قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (إن أبي وأباك في النار) : (كما هو غريب في سنده) !
فأقول: وهذه دعوى باطلة كسابقتها، فالحديث صحيح لا غرابة فيه، وحسبك دليلًا أنه أخرج في: (الصحيح) ، وإن أراد بذلك أنه غريب بمعنى أنه تفرد به واحد، فذلك مما لا يضره؛ لأن كل رواته ثقات أثبات، على أن له شواهد تزيده قوةً على قوة كما تقدم.
وأنا حين أقول هذا أعلم أن السيوطي تورط أيضًا وغلبه الهوى، فأعل الحديث بتفرد حماد بن سلمة به-إلى درجة أنه لم يورده في: (الجامع الصغير) ولا في: (ذيله عليه) -وهو من أئمة المسلمين وحفاظهم، وكنت أود أن أطيل النفس أيضًا في الرد عليه ولكن طال الكلام فحسبنا منه ما تقدم).
قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: (والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية؛ خلافًا لفرقة الشيعة فيه، وفي ابنه أبي طالب ... وقد قال البيهقي بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه:(دلائل النبوة) : (وكيف لا يكون أبواه [1] وجده عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا بدين عيسى ابن مريم عليه السلام، وكفرهم لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام [2] ، لأن
(1) -قال أحمد بن الصديق الغماري في رسالة أرسلها لفضيلة شيخنا محمد بوخبزة-حفظه الله تعالى-بعد كلام طويل: (ومجمل القول في أبوي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-هو نجاتهم لقيام الأدلة القاطعة على ذلك. أما أبو طالب ففيه تردد من جهة امتناعه من النطق بالشهادتين عند وفاته، مع اعترافه بصدق النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ودفاعه عنه، والواقع أنه غير ناج النجاة المطلوبة، ولا معذب عذاب الكفار كما دلت عليه الدلائل أيضًا. هذا هو المجمل الذي لو فصل لاستدعى إلى مؤلف ضخم والسلام) . انظر: (الجواب المفيد للسائل المستفيد) (ص:94) . تحت عنوان: (أبوا المصطفى وعمه أبو طالب ومسألة نجاتهم)
(2) -قال المحدث الألباني-رحمه الله تعالى-: (كما لا يخفى فيه أنه ينتهي إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد كان أبوه مشركًا بنص القرآن:(وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين) (الأنعام:74) ، ولذلك تبرأ منه، كما قال تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) (التوبة:113/ 114) . انظر: (صحيح السيرة) (ص:28) .