الوقفة الثالثة
(الدين عقيدة وشريعة)
من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الإيمان محله القلب والجوارح. فالقلب منوط به اعتقاد معنى الشهادتين قولا وعملا والجوارح منوط بها القيام بمقتضى عقيدة التوحيد وفق ضوابط وأحكام الشريعة فعلا وتركا. ولهذا كان من المستحيل أن يقوم للمسلمين دين بغير التزام وتطبيق الشريعة أفرادا وجماعات. ولذلك كان الحد الأدنى من الإسلام الذي يجب القيام به ليصح الانتساب للدين هو قبول حكم الله ورفض حكم ما سواه قال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (40/يوسف) . فإما عبادة الله وحده وإما الشرك والبدع والأهواء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبنى على أصلين: أحدهما أن نعبد الله وحده لا شريك له. والثانى أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله لا نعبده بالأهواء والبدع قال الله تعالى:(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا .. ) الآية وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ) (21/الشورى) فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب لا نعبده بالأمور المبتدعة) (مجموع الفتاوى)
وقال الإمام سيد قطب مبينا استحالة إقامة الدين بغير الالتزام بالشريعة وقبول أحكامها: (والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد؛ يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك. ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة.
فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي .. حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع .. وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا .. حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين، وبين اتجاهين مختلفين، وبين منهجين مختلفين .. وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى