التحذير من التكفير مطلقًا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فشأن نواقض الإسلام والحديث عنها وتنزيل أحكامها شأن خطيرٌ، والناس فيه طرفان ووسط، فمن الناس من يغلو في تطبيق النواقض ويكفِّر باللازم ولازم اللازم، وبالفهم الخاطئ للناقض، وبما يُشبهه ويشاكله، ومن الناس من يعطّلها بالكلية، ويوالي ألدَّ أعداء الله من المرتدّين ويحكم بإسلامهم ويُجادل من يُنزّل حكم الله فيهم، وأهل السنة وأهل العلم وسط بين الغالي والجافي، فهم لا يُعطّلون أحكام الله، ولا يُعملونها دون ضوابطها وشروطها والنظر في الموانع والأحوال المختلفة.
وبعد أن انتهينا من الحديث عن نواقض الإسلام التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، حسُن الحديث عن الغلط الَّذي يقع في النواقض وأسبابِه ومواطن الزلل والخلل فيه.
وأول الأغلاط التي نذكرها: غلط من يحذِّر من التكفير مطلقًا، ولا يحكم على أحد بالكفرِ، ويستدلُّ على ذلك ببعض النصوص التي لا يُحسن تنزيلها في مواضعها، كمن يستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما"، مع أنَّ الحديث في تكفير المسلم بلا دليل وبينة، أما ما كان بالدليل فلا، لأنَّ من قام الدليل على كفره لا يكون أخًا، ولا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال لأخيه".
ومنهم من يستدلّ لهذا القول في تكفير الحاكم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" وهذا الحديث في الَّذي يترك بيعة الإمام المسلم، أما الكافر المتسلط على المسلمين فبيعته من الموالاة التي نهى الله عنها وحذَّر منها، ويلزمهم بهذا صحَّة ولاية بوش وشارون وأمثالهما على المسلمين الَّذين في ديارهما.
ومنشأ الغلط في هذا: الخطأ في تصور معنى الإيمان والكفر، فمن القائلين بهذا من ينكر زيادة الإيمان ونقصانه، إمَّا مطلقًا، وإمَّا أن يُنكر أنَّ الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء، بل يرى أنَّ الإيمان ينقص حتَّى يبقى منه شيءٌ لا يزولُ ولا ينقص، أو يرى أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، ولكنَّه لا يرى الكفر كذلك بل يجعل الكفر اعتقادًا فحسب، أو يرى أنَّ الإيمان يزيد بالعمل وينقص بالعمل حتى لا يبقى منه إلاَّ ذرة لا تنقص مهما فعل إلاَّ بجحود التوحيد القلبي لا غير.
وهذه كلُّها من مقالات المرجئة الخلَّص، ومن فروعها والأقوال المركَّبة عليها، وقد يكون قائلها في كثيرٍ من الأحيان يُنكرها لو سمعها باسمها الَّذي حذَّر منه السلف، وإن كان يعتقد معناها وهو يجهله، وهذا من نقص العلم وقلة المعرفة بمذهب أهل السنة، وكثير من القائلين بهذا يتعصبون فيه لبعض من ذهب إلى مذهب المرجئة ونصره من المعظَّمين عندهم.
والتكفير إمَّا أن يكون حكمًا شرعيًّا، وإن وقع فيه بعض الغلط، وإمَّا أن يكون باطلًا، والثاني لا قائل به، والأول وهو المتعين يقتضي أنَّه لا يجوز التحذير من التكفير بإطلاق، بل المحذِّر من التكفير يلزمه التفصيل فيحذِّر من التكفير بالباطل، ويأمر بالتكفير الحقِّ في موضعه وبشروطه.
ولكنَّ من يتولَّون كبر هذه المسألة يتحاشون هذا ويتهرَّبون منه، لأنَّهم يعلمون أنَّ التفصيل الحقَّ يُبطل مذاهبهم، وأنَّ إثبات التكفير في موضعه الصحيح يثبت به تكفير الطواغيت الَّذين يُجادلون عنهم.